حين يحاول الخاسر فرض شروط المنتصر…

نازحو جنوب لبنان من الحرب بين حزب الله وإسرائيل (AP)

من أغرب ما يشهده الشرق الأوسط اليوم أن الجهة التي خسرت الحرب، وتلقّت ضربة قاصمة خلال أيام قليلة، تحاول أن تفرض شروطها على الطرف الذي انتصر ميدانياً. فبعد سلسلة من الهزائم المتتالية التي مُني بها “محور الممانعة”، نسمع خطابات مليئة بالعنجهية تتحدث عن “فرض الانسحاب” و”تبادل الأسرى” و”تحقيق الأهداف الاستراتيجية”، وكأننا أمام مشهد من عالم موازٍ للواقع.

في المنطق العسكري، لا يملك الخاسر حقّ الإملاء. التاريخ لم يسجل مرة واحدة أن جيشاً انهزم في الميدان استطاع أن يفرض على المنتصر شروطه السياسية أو الميدانية. في كل الحروب، من روما القديمة إلى الحربين العالميتين، المنتصر هو من يحدد الإيقاع: يفرض وقف النار، يرسم الحدود، ويقرر مصير الأسرى. أما المهزوم، فدوره الوحيد هو قبول الشروط، أو محاولة تخفيف وقعها عبر مفاوضات تحفظ ماء الوجه.

انكار الممانعين

لكن الممانعين في لحظتهم الراهنة يبدو أنهم يعيشون حالة إنكار كامل. فبعد أن فقدوا قيادتهم الميدانية بضربة واحدة، وتعرضت منظومتهم العسكرية لما يشبه الشلل الكامل إثر تفجير “البايجرز” الذي أودى بحياة نحو أربعة آلاف عنصر في ثوانٍ معدودة، يخرجون اليوم ليطالبوا بانسحاب إسرائيل من بعض المواقع وتسليم الأسرى ورفع الحصار، وكأنهم من خرج منتصراً من المعركة!

هذه ليست سياسة بل استعراض إعلامي هدفه الوحيد تغطية الهزيمة وإبقاء جمهورهم مشدوداً إلى أوهام “النصر المعنوي”. فالممانعة، منذ سنوات، تبني سرديتها على استثمار الخسارة وتحويلها إلى بطولة. الهزيمة عندهم ليست نهاية بل “صمود”، والدمار ليس فشلاً بل “تضحيات على طريق القدس”. لكن الحقيقة الباردة أن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة.

لا يمكن لمن خسر المعركة، وفقد تماسكه العسكري، أن يتحدث عن فرض شروط. القوة هي من تفرض، لا الشعارات. والقدرة على التفاوض تأتي من ميزان القوة لا من الخطابات الحماسية. حين خسرت ألمانيا الحرب العالمية الثانية، لم تطالب الحلفاء بالانسحاب من برلين ولا بإعادة جنودها الأسرى. وحين انهزم صدام حسين عام 1991، لم يتمكن من فرض شروطه على التحالف الدولي. هكذا تكون قوانين الحرب، وهكذا تُقرأ الوقائع.

إعادة تدوير الهزيمة

إن ما يفعله محور الممانعة اليوم هو إعادة تدوير الهزيمة ضمن خطاب دعائي موجه للداخل. فالقيادات تعرف حجم الخسارة، لكنها تخشى الاعتراف بها، لأن اعترافها يعني سقوط سردية “التفوق الاستراتيجي” التي بنت عليها سلطتها لعقود. لذلك، تستمر في خطابها المعكوس: كل هزيمة تُقدَّم كـ”نصر”، وكل انسحاب كـ”إعادة تموضع”، وكل ضربة كـ”رسالة”.

لكن الواقع لا يُدار بالشعارات. فالتاريخ لا يرحم، والخرائط تُرسم بالنار لا بالبيانات. ومن خسر الحرب لا يستطيع أن يفرض شروط السلام. الممانعون قد ينجحون في تضليل جمهورهم لبعض الوقت، لكن الوقائع على الأرض ستفرض حقيقتها عاجلاً أم آجلاً: المنتصر هو من يكتب الشروط، والخاسر هو من يوقّعها. وكل محاولة لعكس هذه المعادلة ليست سوى استمرار للوهم الذي قادهم إلى الهزيمة نفسها.

العبرة التي يجب على “الممانعة” ان تفهمها ان المنتصر هو من يضع شروط السلام، والخاسر هو من يقبل بها، مهما حاول تغليفها بخطاب الصمود والمقاومة.

اقرا ايضا: فضيحة تهزّ «الجامعة اللبنانية»: تزوير علامات لطلاب كويتيين يُطيح بمدير كلية الحقوق!

السابق
«انفجار البلد».. ام انفجار شروط قيام الدولة المركزية الواحدة؟
التالي
تلاعب في الضمان الاجتماعي: سائقون وهميون ولوحات عمومية للاستفادة من التقديمات