بعد عامٍ على الضربة التي كسرت عموده الفقري، يعيش حزب الله مرحلة إعادة تشكّلٍ صامتة تقودها شخصياتٌ ميدانية شابة بإشرافٍ مباشر من ضباطٍ إيرانيين. فبعد الاغتيال الذي أودى بحياة أمينه العام حسن نصرالله ونائبه هاشم صفي الدين في خريف 2024، وما تبعه من انهيارٍ عسكري أمام الجيش الإسرائيلي، انكفأت الميليشيا الشيعية إلى العمل في الظلّ، محاوِلةً ترميم صفوفها وإعادة هيكلة أجهزتها.
صدمة الاغتيال والفوضى الأولى
يروي “وفيق” (اسم مستعار)، أحد عناصر الحزب الذين عاشوا لحظات ما بعد الاغتيال، حالة الذعر التي عمّت الضاحية الجنوبية:
«في تلك الأيام كان كبار القادة ينامون في سياراتهم، يختبئون في بيوت معارفهم للاستحمام قبل أن يرحلوا مجددًا. لم يكن أحد يجيب على الاتصالات، كأن الحزب دخل في غيبوبةٍ تامة».
استمر هذا الشلل لأكثر من عشرة أيام، قبل أن يصل إلى لبنان إسماعيل قاآني، قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، الذي تولّى قيادة عملية إعادة التنظيم. خلال أسبوعين فقط، تمكّن الإيرانيون من ترميم البنية الأساسية للقيادة العسكرية، في وقتٍ ظلّ الفراغ السياسي قائمًا بالكامل.
نقدٌ ذاتي مكتوم وانقسامات داخلية
ترافقت عملية الإنقاذ مع مراجعةٍ داخليةٍ حادّة، بقيت طيّ الكتمان كي لا تتزعزع صورة الحزب. كثيرون داخل صفوفه حمّلوا نصرالله مسؤولية الانهيار، معتبرين أنّ تردّده بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 أدخل الحزب في حربٍ لم يكن مستعدًا لها.
يقول “وفيق”:
«كان عليه إمّا أن يخوض الحرب بكل قوّته أو ألا يشارك على الإطلاق. الدخول المحدود من باب التضامن فقط كان خطأً قاتلاً».
لكن الانقسام كان أعمق من ذلك. فمنذ اليوم التالي لهجوم حماس، برز خلافٌ بين جناحين داخل الحزب: جناح نصرالله الداعي إلى التهدئة، وجناح صفي الدين وقادة “قوّة الرضوان” الذين أرادوا استغلال الارتباك الإسرائيلي للتقدّم داخل الأراضي المحتلّة. هذه القوّة أبيدت بالكامل لاحقًا، فيما دفع الحزب ثمنًا باهظًا في الجنوب الذي دُمّر وتهجّر سكانه.
تحذيرات خارجية واختراقات داخلية
قبل اندلاع الحرب بأسابيع، زار رئيس الاستخبارات الخارجية الفرنسية برنار إيمييه نصرالله سرًّا، محذّرًا إيّاه من أنّ الوضع الإقليمي تغيّر بعد 7 أكتوبر. لكن الزعيم الشيعي، المعزول في مخبئه منذ عقدين، لم يُقدّر حجم الاختراق الإسرائيلي لأجهزته.
يقول أحد التقنيين المقرّبين من الحزب:
«الإسرائيليون لم يعتمدوا التعذيب كما فعل السوفيات، بل اخترقوا دوائر الاتصالات وغذّوا القادة بمعلوماتٍ صحيحةٍ وأخرى مضلّلة، إلى أن صار القرار السياسي نفسه تحت السيطرة».
أبرز ضحايا هذه المرحلة كان القائد العسكري فؤاد شكر، الذي قُتل بعدما رُصد عبر علاقةٍ عاطفية مع امرأةٍ كانت إسرائيل تراقبها. ومنذ مقتله صار يُلقّب بين رفاقه بـ«شهيد الزُب»، تعبيرًا عن السخرية المريرة التي تسود صفوف المقاتلين القدامى.
ولادة قيادة جديدة
بعد عامٍ على الاغتيال، يؤكد النائب علي فياض أن الحزب “لم يُدمّر”، لكنه تغيّر جذريًا.
«أعدنا بناء هيكلٍ عسكريٍ سرّي بالكامل. القيادة الجديدة شابةٌ وأكثر تكيّفًا مع التكنولوجيا».
تحت إشراف الإيرانيين، صعد جيلٌ ثانٍ وثالث من القادة ليحلّ مكان الحرس القديم الذي أنهكته الفساد والعزلة. العمل الميداني بات سرّياً كما في بدايات الثمانينيات، وتقلّصت دوائر الاتصال إلى الحدّ الأدنى، فيما أصبح المقاتلون أكثر استقلاليةً عن القيادة السياسية.
الأمين العام الجديد نعيم قاسم يبدو ضعيفًا مقارنةً بسلفه، لكن الحزب يفضّل صورة “القائد الهادئ” في مرحلة الدفاع لا الهجوم.
انتقالٌ إلى البقاع ومرحلة التجنيد
بعد حملة تطهيرٍ داخليةٍ واسعة طالت المشتبه في تعاونهم مع إسرائيل، نقل الحزب جزءًا من مقاتليه إلى البقاع. تلقّى المتزوجون راتب شهرين والعزّاب شهرًا واحدًا، وبدأت مرحلة تجنيدٍ جديدة لم تكتمل بعد. ضباطٌ لبنانيون يؤكدون أن الحزب لم يُنهِ بعد إعادة هيكلة جناحه العسكري.
تحوّل استراتيجي: من المقاومة إلى الدفاع
يقول علي فياض:
«الوضع تغيّر كليًا. المقاومة اليوم في وضعٍ دفاعي لبناني، لا إيراني. إذا تعرّضت إيران لهجوم، لن نتدخّل. مهمّتنا حماية لبنان فقط».
بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، التزم الحزب بنزع سلاحه جنوب الليطاني، فيما ينتشر الجيش اللبناني ببطءٍ شديد في المنطقة. ورغم تقديراتٍ تفيد بأنّ 80٪ من سلاح الحزب في الجنوب جُمِع، فإنّ الصواريخ الثقيلة لا تزال متمركزةً شمال الليطاني، خصوصًا في البقاع.
حضورٌ سياسي مستمر ونفوذٌ أمني
رغم الضربات، لا يزال حزب الله قوّةً سياسيةً مركزية في لبنان، يملك 27 نائبًا ويحتفظ بنفوذٍ واسعٍ داخل أجهزة الدولة، بما فيها استخبارات الجيش. في معظم القرى الجنوبية، يُشرف ممثلو الحزب على البلديات إلى جانب مسؤولي حركة أمل، فيما ترفرف الأعلام الصفراء والخضراء احتفالًا بذكرى مقتل نصرالله.
لكن الجنوب نفسه مدمَّر. بلداتٌ مثل الناقورة وعلما الشعب تحوّلت إلى أنقاض، وسكانها يعيشون في بقايا منازل بلا كهرباء ولا دعم. المساعدات التي يقدّمها الحزب تقلّصت، والشيكات الصادرة عن مؤسسته المالية «القرض الحسن» كثيرًا ما تُرفض من المصارف.
إسرائيل تفرض وقائع جديدة
الجيش الإسرائيلي عزّز مواقعه داخل الأراضي اللبنانية بحجّة الأمن، فيما تتزايد انتهاكاته الجوية والبرية. تؤكد مصادر عسكرية لبنانية وغربية أن إسرائيل نفّذت أكثر من 1500 خرقٍ منذ وقف إطلاق النار، مقابل صمتٍ تام من الحزب الذي يلتزم “هدوء الدفاع”.
حتى اليوم، تخشى الأمم المتحدة من تصعيدٍ جديد، خصوصًا بعدما أصابت قذائف إسرائيلية جنودًا من قوات “اليونيفيل” قرب كفركلا. في المقابل، يعتبر رؤساء البلديات المحليون أن الطائرات المسيّرة الإسرائيلية أصبحت جزءًا من المشهد اليومي.
اقتصاد الحزب ومصادر تمويله
بعد توقّف الرحلات بين طهران وبيروت، تقلّص التمويل الإيراني، فيما تشدّدت الرقابة على المطار والمرافئ. رغم ذلك، ما زال الحزب يؤمّن ما يقارب 60 مليون دولارٍ شهريًا وفق تقديراتٍ أميركية. لكن قدرته على دفع رواتب نحو سبعين ألف موظّف أصبحت محدودة.
يقول نائبٌ لبناني:
«نواب الحزب فقدوا هيبتهم في البرلمان. لم يعودوا يخيفون أحدًا كما في السابق».
إيران تعيد الإمساك بالخيوط
رغم الانكماش، عاد النفوذ الإيراني بقوة عبر زياراتٍ متكرّرة لعلي لاريجاني إلى بيروت، في محاولةٍ لإعادة توجيه الحزب سياسيًا. سقوط نظام الأسد في دمشق أواخر 2024 شكّل ضربةً قاسية لمحور المقاومة، لكنّ التوترات الطائفية الجديدة في سوريا أعادت بعض الالتفاف الشيعي حول الحزب في لبنان.
بين الدولة والسلاح: معضلة لبنان المستمرة
الانقسام داخل الدولة اللبنانية لا يزال حادًّا. رئيس الحكومة نواف سلام يطالب بتسريع نزع السلاح في كل المناطق، فيما يفضّل رئيس الجمهورية جوزيف عون والجيش تجنّب المواجهة المباشرة مع الحزب خشية تفكّك المؤسسة العسكرية.
هكذا، بعد عامٍ على اغتيال نصرالله، يبدو حزب الله كجسدٍ جريحٍ لم يفقد أنفاسه الأخيرة بعد. هو أضعف عسكريًا، أكثر سرّية، أقلّ ثقة، لكنه ما زال موجودًا — يتنفّس من تحت الأرض، وينتظر لحظة العودة إلى الضوء.

