الدولة الحديثة وفق مرجعياتها الفكرية الغربية وليدة الحداثة وأحد أهم تجلياتها وفق ماكس فيبر. هي نتاج حداثة المجتمع نفسه، بعدما تغيرت قيمه وذهنياته، وتغلغلت العقلانية في كل مكوناته، وباتت أساس نشاطه ومعيار الصواب والخطأ فيه، وخلفية لأي انتظام في داخله.
ما يعني أن الحديث عن الانتظام العام في الواقع العربي، يستدعي البحث في تجربة التحديث التي اختبرها العالم العربي، والتي كان القصد منها تحديث جميع وجوه الحياة العامة التي شملت الدولة ومؤسسات المجتمع العامة.
لعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن الحداثة لم تجد لها موطئ قدم مكين في المجال العربي، رغم كثافة المظاهر الحديثة فيه التي كانت أقرب إلى استهلاك لمنتوجاتها القادمة من بيئة أخرى. ما يعني أن تجربة التحديث نفسها تعرضت لانتكاسات هائلة، منعت الدولة العربية من أن تكتسب خاصية الدولة الحديثة، ومنعت المجتمع أيضاً من الارتقاء إلى مجال تضامنات مدنية تقلّص سطوة الهوية الدينية والروابط العضوية.
لم يكن الاستعمار جوهر مشكلة الدولة العربية، رغم عدم إنكار دوره السلبي، لكن أساس المشكلة هو بنى التقليد التي تقف خلف موجبات الأمر العام ومسوغات الإكراه وإلزامات الطاعة، وتقف على النقيض الصارخ من مقتضيات الانتظام الحديث.
هيمنة الأبوية السياسية
فبنى التقليد ليست تصورات عائمة وسابحة في الفضاء، بل تتمثل بمؤسسات اجتماعية ودينية وحتى سياسية راسخة رسوخ الذاكرة في الضمير والسلوك والعلاقات والنشاطات اليومية. لذلك فإن أي طارئ يدخل عليها لا يمكنه إزالتها أو حتى تفكيكها، ويكون لبنى التقليد اليد العليا دائماً في هضم هذا الوافد وابتلاعه وتسخيره لصالح مؤسساته وشبكة علاقاته ومنظومة قيمه.
هي قيم تتقوم بالعلاقات العضوية، أي الانتماء إلى رابطة الدم أو الجهة أو الدين، فهذه جميعها انتماءات محددة قبل الولادة ومقدّرة لكل واحد منا، والخروج منها هو سقوط وموت ونهاية. هي قيم تتخذ شكل البنى الأبوية في مجال العلاقات العامة، أي الأب الذي بقدر ما يظهر قسوته وبطشه يزداد الناس تعلقاً به ويقيناً بأنه مصدر أمانهم، والزعيم الذي يحصر كل شؤون التدبير بشخصه ويضعون بطواعية مصائرهم بين يديه.
ما يعني أن شرعية الدولة السياسية نابعة من هيبتها وشوكتها، أي بطشها وجبروتها، وخطابها أقرب إلى أن يكون خطاباً أبوياً يوفر الأمن والأمان والعدل في التوزيع بمعناه القديم لا الحديث. يقول ابن مسكويه:
“يجب أن تكون نسبة الملك إلى رعيته نسبة أبوية، ونسبة رعيته إليه نسبة بنوية، ونسبة الرعية بعضهم إلى بعض نسبة أخوية، حتى تكون السياسات محفوظة على شرائحها الصحيحة، وذلك أن مراعاة الملك لرعيته هي مراعاة الأب لأولاده”.
هذه العلاقة الرعوية بين الحاكم والمحكوم ما تزال مستمرة في زماننا، وتتخذ صفة الأبوية الجديدة التي لا يملك الفرد فيها أية فرادة. هي قيم لا مجال فيها للنشاط العقلاني، الذي يعمد إلى فهم وتفسير الظواهر المحيطة به بتفحص عقلي واختبار علمي. فالقيم التقليدية تتعامل مع مجريات السياسة والتدبير بصفتها أموراً وجدت هكذا كما هي لأنها هناك وستبقى كما هي.
فالعقلنة في التدبير والإدارة غير ممكنين، وتعقّل الأحداث وتفسيرها لا جدوى منه وممتنعان أيضاً، ويدرَجان ضمن القدر الغامض. أما الحرية فضيقة إلى حد بعيد، ولا يأخذنا معناها أكثر من المعنى الذي يقابل العبد المملوك. أما القول بأن الإنسان مخيّر أمام القدرة الإلهية، فلا يتفرع منه حرية سياسية، بقدر ما يندرج ضمن منظومة الانصياع للمؤسسة الدينية والقوى المسيرة لشؤونها.
شرعية الدولة السياسية نابعة من هيبتها وشوكتها، أي بطشها وجبروتها، وخطابها أقرب إلى أن يكون خطاباً أبوياً يوفر الأمن والأمان والعدل في التوزيع بمعناه القديم لا الحديث.
مساكنة الحداثة والتقليد: ازدواجية مشلّة
ومثلما عطّل الاستعمار مفاعيل الحداثة في الداخل العربي، لأنه جاء بها على غير هيئتها، فإن الداخل عطّل قوة التراث وقدرته على إنتاج مسار تأويلي يخلق بداخله قدرة التكيف والتلاؤم مع الراهن. فجاء التراث ليعزز العزلة والانفصال والقطيعة مع المحيط المتحوّل والمتجدد، وأخذ يؤكد اكتفاءه الذاتي وخصوصية مساره وقدرته الذاتية على النهوض والنمو والرفاه تحت شعار: “يكفينا ما عندنا”.
هي أدبيات خالية من أية معالجة علمية أو مادة اختبار وتحليل لواقع عيني أو دقة تحليل وتفكير، بقدر ما غرضها خلق مزاج سلبي وذهنية ريبية، لا تقرأ المفاهيم بل تحاكمها، ولا تفهم الحدث بل تسقط عليه جهازها المعياري لتدينه، ولا تحلل الظواهر بل تصدر فتاوى حولها، ولا تتأمل التراث بل تمجده وتقرظه وتؤسطره، ولا تقدم الخيارات وتكشف عن الاحتمالات والإمكانات بقدر ما تضعك أمام مصيرية “مع أو ضد”، والاختيار بين النقاء الخالص والرجس الخالص، بين الإيمان والكفر، وبين التبعية والاستقلالية.
هذا المزاج لا يحصل من نفسه، ولا يتولد بشكل آلي، بقدر ما تقف وراءه شبكة قوى ومؤسسات اجتماعية ودينية ومصالح اقتصادية يهمها إبقاء الواقع بصورته الثابتة والمألوفة على حاله، وتمتين القيم التقليدية وتحصينها من أية اختراقات خارجية أو توهين داخلي، لغرض استمرارية المنظومة التي تسبغ على السلطة السياسية هيئة خاصة، والعلاقات الاجتماعية تفاعلاً معيناً.
فالقيم التقليدية لا تنتعش من نفسها، ولا تتخذ صيغاً أيديولوجية من ذاتها، بقدر ما يقف وراءها مؤسسات دينية وممثليات تقليدية وجهات هيمنة محلية تسخّر هذه القيم لضمان استمراريتها وفعاليتها. لذلك، يصر أكثر من مفكر عربي، وفي مقدمهم عبد الله العروي، على أن أزمة النهضة والتحديث هي مشكلة القيم التقليدية الراسخة التي تتحكم في صور الحياة والنشاط العام، وأن الثورة تبدأ بتقويض هذه القيم ومحاصرتها وتفكيكها.
فلا يمكن التعايش بين منظومتين، ولا يمكن للحداثة أن تستقر فوق ما يقوّضها باستمرار ويدحض الأساس الفكري والعقلي لها.
ولعل الذي ساهم في انتعاش قوى التقليد هو الدولة العربية المعاصرة نفسها، التي انطوت على نفسها بعد أن أخفقت في مطامحها التحديثية، ولجأت إلى التقليد لحماية نفسها، وعمدت إلى إحياء العلاقات التقليدية، ونصّبت نفسها الجهة الحامية للتراث، واستدعت مفاهيم الأصالة والخصوصية وضخّمتها إلى حدها الأقصى، وتحالفت مع المؤسسات التقليدية الدينية لتنتزع منها لقب “أولي الأمر” و”أمراء المؤمنين” الواجبة طاعتهم.
هو استدعاء تم بفوضوية، لكن بسياق ومضمون يخدم السلطة كقوة قائمة بذاتها لا تنبع من المجتمع، بقدر ما هي سلطة تحمل مهمة مقدسة، مهمة حماية الأمة وحراسة قيمها. لذلك بتنا نجد تحالفاً طبيعياً بين الأسر الحاكمة والعناصر المحافظة في المجتمع.
ما استفادته الدولة من التقليد هو إرث الدولة السلطانية، التي هي دولة الغلبة، دولة العصبية التي تغلب باقي العصبيات، وبالتالي دولة مشخصنة واعتباطية لا تقوم على قاعدة كلية ولا يحكم قرارها معيار حقوقي مسبق. فلم تكن العلاقة بين الدولة والفرد علاقة حقوق وواجبات، بقدر ما كانت علاقة طاعة كاملة لا يقابلها حق.
القيم التقليدية لا تنتعش من نفسها، ولا تتخذ صيغاً أيديولوجية من ذاتها، بقدر ما يقف وراءها مؤسسات دينية وممثليات تقليدية وجهات هيمنة محلية تسخّر هذه القيم لضمان استمراريتها وفعاليتها.
وهو إرث استمر في المجال الحديث لتصبح الدولة غنيمة لمن يصل إليها، ودولة احتكار المنافع والمزايا التي توفرها الدولة للقائمين عليها والممسكين بها. ما يجعلها دولة إقصائية يحتكر من يصل إليها جميع منافعها أو جلّها، ودولة ضارية في علاقتها الشرسة مع مجتمعها.
غير أنها، وعلى الرغم من امتلاكها جيوشاً جرارة وعيوناً مبثوثة حتى في مخادع الناس، فقد بقيت دولة ضعيفة هشة، لأن غياب شرعيتها ظل عنصر تهديد لها، وعلامة عدم استقرار للحياة السياسية والاجتماعية في المجال العربي.
نتيجة هذا التناقض دخلت الحداثة بشكلها الهش والاستهلاكي، فبدلاً من أن تكون فاعلة، ساهمت في ترسيخ تبعية الراهن العربي لمنظومة الاقتصاد العالمي وقواعد السوق اللذين حوّلا البيئة العربية إلى مستهلك نهم لها.
حصلت مساكنة بين الحداثة والقيم التقليدية، لكنها مساكنة مدمرة، تقوم على تمفصل المكونات التابعة لكل منهما بدل أن تتفاعل وتتجادل فيما بينها. فبات الداخل أشبه بحلقات مغلقة ومستقلة، لها دوائر نفوذها ومجال عملها الخاص، من دون أن تعيق مجال ومدى الدوائر الأخرى.
اقرا ايضا: براك يدق ناقوس الخطر.. ولبنان يراهن على مبادرة عون لتفادي الحرب

