البنتاغون يجمّد خطط الانسحاب من سوريا..مخاوف من هشاشة الحكومة الجديدة…

قوات اميركية شمال سوريا

قرّر البنتاغون تعليق عملية تقليص عدد القوات الأمريكية في سوريا، وذلك رغم أن بعض الخطوات الأولية للانسحاب بدأت بالظهور منذ ربيع هذا العام. وبحسب مصادر مطّلعة، فإن السبب الرئيسي لهذا القرار يعود إلى المخاوف بشأن استقرار الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق، برئاسة الرئيس أحمد الشرع.

كانت الاستخبارات العسكرية الأمريكية قد حذّرت في الصيف الماضي من أن الحكومة السورية لا تسيطر فعليًا إلا بشكل اسمي على المناطق الواقعة ضمن مسؤولياتها. هذا الوضع دفع دمشق إلى البحث عن دعم أمني من أطراف أجنبية فاعلة في الساحة السورية، وعلى رأسها روسيا.

قلق أمريكي من هشاشة السلطة في دمشق

نقلت مصادر عسكرية لموقع “المونيتور” أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جمّدت خطتها لسحب القوات من مناطق شرق وجنوب شرق سوريا. وأكد مسؤول عسكري أمريكي رفيع أن “هناك هشاشة معينة مرتبطة بالحكومة الجديدة، وهو أمر مفهوم جيدًا، بما في ذلك داخل الحكومة السورية نفسها”. وأضاف: “سنراقب ببساطة كيفية تشكّل الحكومة وهيكلية الأجهزة الأمنية قبل اتخاذ أي قرارات أخرى”.

ولا تعلن الولايات المتحدة رسميًا عن عدد جنودها في سوريا، إلا أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 2000 جندي. وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” قد أفادت في نيسان/أبريل الماضي بأن عملية الانسحاب بدأت فعليًا، مع خطط لإغلاق ثلاث قواعد عملياتية من أصل ثماني في شمال شرق البلاد، وتقليص عدد القوات إلى نحو 1400. كما أشارت التوصيات الصادرة عن القيادة البرية إلى إمكانية دمج بعض القواعد وتقليص العدد أكثر ليصل إلى 500 جندي فقط.

اتفاق هشّ بين حكومة الشرع والأكراد

تعكس التقييمات الاستخباراتية الأمريكية الشكوك حول قدرة حكومة الشرع على بسط سلطتها على كامل التراب السوري، رغم الدعم الذي تلقاه من فصائل المعارضة السابقة. وتشير التقييمات إلى أن الحكومة السورية تسيطر “اسميًا على الأقل” على معظم الأراضي السورية، باستثناء المناطق الشمالية الشرقية الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (SDF)، وهو تحالف تقوده وحدات كردية ويحظى بدعم أمريكي.

مؤخرًا، شهدت مناطق في شرق محافظة حلب تصعيدًا عسكريًا، حيث استهدفت قوات سوريا الديمقراطية مواقع تابعة للجيش السوري بالمدفعية والطائرات المسيّرة، بما في ذلك سد تشرين الحيوي على نهر الفرات. وقد بررت قوات SDF هذه الضربات بأنها رد على هجمات حكومية سابقة.

يُذكر أن حكومة الشرع كانت قد توصلت إلى اتفاق مع السلطات الكردية في مارس/آذار الماضي لدمج الهياكل العسكرية والمدنية لـ SDF ضمن القيادة المركزية التي تولت الحكم في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. إلا أن تنفيذ هذا الاتفاق لا يزال يراوح مكانه، في ظل توتر العلاقات بين الطرفين. ووفقًا لوكالة “شفق نيوز”، طالبت قيادة SDF الحكومة السورية بتعيين شخصيات كردية في مناصب عليا داخل وزارة الدفاع، بما في ذلك اقتراح تعيين قائدها مظلوم عبدي أو أحد المقربين منه وزيرًا للدفاع أو رئيسًا لهيئة الأركان. وحتى الآن، لم تتلقَ هذه المطالب أي رد رسمي من دمشق.

الموقف الروسي: دعم غير مشروط ورسائل سياسية واضحة

من جانبها، تواصل روسيا دعمها السياسي والعسكري غير المشروط للحكومة السورية، وتسعى إلى ترسيخ صورتها كضامن رئيسي للاستقرار في البلاد. ففي 2 أكتوبر/تشرين الأول، زار رئيس هيئة الأركان العامة السوري، علي الأنسان، العاصمة موسكو على رأس وفد عسكري، حيث كان في استقباله نائب وزير الدفاع الروسي، يونس بك يفكوروف. وتأتي هذه الزيارة ضمن مساعي موسكو لتعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين، وسط توترات داخلية متصاعدة في سوريا.

تحاول روسيا من خلال هذه اللقاءات والإعلانات الرسمية الإيحاء بأن علاقاتها مع الحكومة السورية، خصوصًا حكومة الشرع، في أفضل أحوالها، بل وتسعى لإظهار أن الأزمة السورية قد تم “طي صفحتها”، وأن البلاد بدأت تدخل مرحلة جديدة من “الاستقرار النسبي” تحت رعاية موسكو.

وفي هذا السياق، تعمل روسيا على إعادة تأهيل صورة النظام السوري إقليميًا ودوليًا، كونها  الداعم العلني لحكومة الشرع،  وهي كعنصر استقرار لا غنى عنه في المعادلة السورية. وبالتالي، فإن موسكو تسعى لتطبيع فكرة بقاء الأسد خارج المطالب السورية  لانه في حمايتها ، وتعتبر أن حمايته لم تعد موضعًا للجدل، بل أمرًا عاديًا ومقبولًا ضمن توازنات ما بعد الحرب.

وفي الوقت ذاته، تعمل روسيا على استثمار الوضع الأمني الهش وضعف السيطرة الحكومية لزيادة حضورها الميداني واللوجستي في سوريا، وهو ما يُترجم بمحاولات دائمة لتعزيز وجودها في القواعد العسكرية، خاصة في الساحل السوري ومنطقة البادية.

تسعى روسيا إلى لعب دور رئيسي في إعادة تشكيل هيكلية الجيش والأمن السوري، عبر دعم حكومة الشرع في مواجهة التحديات الداخلية والضغوط الخارجية، لا سيما تلك القادمة من الولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية. وترى موسكو أن استقرار دمشق يصبّ في صالح مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، كما أنها تعتبر أي محاولة أمريكية لتقويض الحكومة السورية تهديدًا مباشرًا لنفوذها في الشرق الأوسط.

في المحصلة، تسعى روسيا إلى إرسال رسالة مزدوجة: من جهة، بأنها لا تزال اللاعب الأقوى في سوريا، ومن جهة أخرى، أن النظام السوري ـ سواء بقيادة الأسد أو الشرع ـ بات عنصرًا أساسيًا في مشروع “الاستقرار الروسي” في الشرق الأوسط، وبالتالي فإن المساس به يعني تهديدًا مباشرًا لمصالحها الجيوسياسية.

مستقبل مجهول ومخاوف متزايدة

تعليق الانسحاب الأمريكي من سوريا يعكس حجم التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. فبين هشاشة الوضع الأمني، والتوترات مع الأكراد، واعتماد دمشق المتزايد على الدعم الروسي، يبدو أن طريق الاستقرار لا يزال طويلًا وشائكًا.

الولايات المتحدة، من جهتها، تقف في موقف حذر، مترددة بين تقليص وجودها العسكري والحرص على منع انهيار النظام الجديد في دمشق. أما روسيا، فترى في هذا الوضع فرصة لتوسيع نفوذها وتعزيز موقعها كضامن رئيسي للاستقرار في سوريا.

في ظل هذا الواقع المعقد، تبقى الأسئلة الأهم دون إجابة: هل ستنجح حكومة الشرع في توحيد البلاد؟ وهل ستسمح واشنطن لموسكو  بتمرير هذا المشروع بالنجاح، أم سيبقى الصراع السوري ساحة لتنافس استراتيجي طويل الأمد؟

السابق
التقليد وحدود التحديث في الدولة العربية: بين الأبوية السياسية واستعصاء الحداثة
التالي
إيران بعد الحرب.. بين السيطرة المطلقة للنظام وانهياره المحتمل