في السابع من أكتوبر 2023، دوّى زلزال الشرق الأوسط من تخوم قطاع غزة، عندما نفّذت حركة حماس هجومًا غير مسبوق على مستوطنات “غلاف غزة”، أسفر عن مقتل أكثر من 1500 إسرائيلي وأسر مئات آخرين. أطلقت حماس على عمليتها اسم “طوفان الأقصى”، وأعلنت سريعًا “النصر”، معتبرةً أنها كسرت هيبة الجيش الإسرائيلي وأحدثت مفاجأة استراتيجية.
لكن بعد عامين، وبين ركام غزة وأنقاض بيروت ودمشق، يتبدّى أن النصر لم يثمر دولة، ولا تحريرًا، بل مجازر غير مسبوقة، وانهيارًا سياسيًا وأخلاقيًا شمل جميع الأطراف.
الفاتورة الفلسطينية: نصر رمزي وخسارة وطن
دفعت غزة الثمن الأفدح. خلال عامين من الحرب، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 67 ألفًا، فيما دُمّر ثلثا القطاع تدميرًا شبه كامل. شُلّت البنى التحتية، انهارت المستشفيات، وتهجّر أكثر من مليوني إنسان في مشهد أعاد إلى الذاكرة نكبة 1948.
رغم بطولات المقاومة وصمود المدنيين، فإن الكلفة الإنسانية والسياسية فاقت حدود الاحتمال. لم تنجح حماس في الحفاظ على مؤسسات الحكم التي بنتها خلال عقد ونصف من السيطرة على القطاع، ولا في حماية الشعب من آلة التدمير الإسرائيلية التي مارست حرب إبادة جماعية موثّقة بالصوت والصورة.
سياسيًا، وجدت الحركة نفسها معزولة عربيًا ودوليًا. لم يتحقق الدعم الذي وُعدت به من “محور الممانعة”، ولم تنجح في فرض معادلة “الأسرى مقابل الهدنة” إلا بشروط مذلة في النهاية، بعد أن فقدت معظم قياداتها الميدانية، وتفككت أجهزتها العسكرية بفعل القصف المكثّف والعمليات الخاصة الإسرائيلية.
لقد أرادت حماس أن تُحرّك القضية الفلسطينية من جمودها، لكنها فعلت ذلك بثمن وجودي. النصر الرمزي في 7 أكتوبر تحوّل إلى مأساة مفتوحة، إذ لم يبق من غزة سوى رماد وطن وجراح لا تندمل.
الرد الإسرائيلي: انتقام لا نصر
في المقابل، لم يخرج بنيامين نتنياهو منتصرًا. صحيح أن الجيش الإسرائيلي دمّر معظم قدرات حماس العسكرية، واغتال كبار قادتها في غزة ولبنان وسوريا، لكنه خسر ما هو أثمن: صورة “إسرائيل القوية”.
فالهجوم المفاجئ في 2023 كشف هشاشة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وضرب ثقة الجمهور بجيشه وحكومته. وبدلًا من ترميم هذه الثقة عبر نصر نظيف وسريع، انزلق نتنياهو إلى حرب إبادة مكشوفة، أدت إلى عزلة إسرائيل غير المسبوقة في تاريخها.
على مدى عامين، واجهت تل أبيب موجة إدانة دولية غير مسبوقة: من محكمة العدل الدولية إلى الشارع الغربي، ومن الجامعات الأميركية إلى الحكومات الأوروبية التي بدأت تعترف بدولة فلسطين.
حتى داخل إسرائيل، بات نتنياهو موصومًا بالفشل والجنون السياسي، بعدما حوّل “حق الدفاع عن النفس” إلى حرب انتقامية أحرقت صورته وصورة بلاده معًا. لقد أراد الثأر، فحوّل غزة إلى مقبرة جماعية، لكنه خسر شرعيته أمام العالم، ووجد نفسه محاصرًا بتهم جرائم حرب واحتجاجات داخلية تطالبه بالاستقالة.
دفعت غزة الثمن الأفدح. خلال عامين من الحرب، تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 67 ألفًا، فيما دُمّر ثلثا القطاع تدميرًا شبه كامل. شُلّت البنى التحتية، انهارت المستشفيات، وتهجّر أكثر من مليوني إنسان في مشهد أعاد إلى الذاكرة نكبة 1948
لبنان… الجبهة الثانية التي احترقت
في لبنان، تحوّلت الحرب من تضامن محدود مع غزة إلى مواجهة مفتوحة بين حزب الله وإسرائيل على مدى أشهر. ومع اتساع الاشتباكات، خسر الجنوب اللبناني أكثر من ألف مدني، ودُمّرت عشرات القرى والبلدات في قصف متبادل أعاد شبح 2006.
لكن الضربة الأكبر جاءت مع اغتيال قيادات من الصف الأول في حزب الله وعلى رأسهم امين عام الحزب التاريخي السيد حسن نصرالله، وعدد من القادة العسكريين الذين شكّلوا العمود الفقري لجهاز العمليات الخارجية. كذلك اغتيلت شخصيات من حماس في الضاحية الجنوبية لبيروت، ما كشف اختراقًا استخباريًا واسعًا وتقصيرًا أمنيًا فاضحًا.
سياسيًا، وجد “محور المقاومة” نفسه أمام معادلة قاسية: لا هو قادر على الردع، ولا على التراجع. إيران اكتفت بالبيانات والدعم اللوجستي، وسوريا الغارقة في أزماتها لم تفتح جبهة الجولان، فيما أصبح لبنان ساحة استنزاف يومية، بلا غطاء سياسي داخلي ولا قدرة اقتصادية على الصمود.
محور الممانعة: خسائر استراتيجية
من طهران إلى دمشق وبيروت وغزة، رفع “محور الممانعة” شعارات النصر والمواجهة. لكن الوقائع الميدانية والسياسية أظهرت العكس: فشل في الردع، وتآكل في الشرعية.
إيران التي روّجت لنفسها كقائدة محور المقاومة، اكتفت بالخطاب الناري ولم تذهب إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل رغم اغتيال كبار حلفائها. الضربات الإسرائيلية في دمشق وبيروت كشفت أن النفوذ الإيراني بات عبئًا على حلفائه أكثر من كونه حماية لهم، ولم تقصف الصواريخ الايرانية تل ابيب الاعندما بادرت اسرائيل بقصف طهران وعدد من المدن الكبرى قبل اربعة شهور في شهر حزيران من العام الحالي، مستهدفة القيادات العسكرية الايرانية والمواقع النووية، لينتهي القصف المتبادل بين البلدين بعد اقل من اسبوعين بوقف اطلاق نار اعلنه الرئيس الاميركي دونالد ترامب، لتخرج ايران سريعا من الميدان.
في سوريا، بدت السلطة عاجزة عن الردّ، مكتفية بإصدار بيانات تنديد، فيما كانت الغارات الإسرائيلية تدمّر مواقع الحرس الثوري ومخازن السلاح. أما حزب الله، فوجد نفسه أمام معادلة قاتلة: الردّ يعني حربًا مدمّرة للبنان، والصمت يعني نهاية الردع الذي بنى عليه صورته منذ 2006.
النتيجة كانت أن المحور بأسره فقد توازنه. لم يحرّر أرضًا، ولم يمنع اغتيال قادته، بل فقد أهم أوراقه: هيبة المقاومة أمام جمهورها.
إسرائيل… دولة القوة العمياء
رغم التفوق العسكري الهائل، لم تتمكن إسرائيل من ترجمة قوتها إلى نصر سياسي مستدام. لقد ربحت المعركة الميدانية لكنها خسرت الحرب الأخلاقية والدبلوماسية.
استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، تدمير المستشفيات والمخيمات، قصف قوافل الإغاثة، كلّها جعلت من إسرائيل دولة منبوذة في الرأي العام العالمي. حتى أقرب حلفائها، كالولايات المتحدة وألمانيا، وجدوا صعوبة في الدفاع عن سياساتها الوحشية.
أما داخليًا، فاهتز المجتمع الإسرائيلي من الداخل: أزمة ثقة، انقسامات بين اليمين والجيش، وانهيار التحالفات السياسية. بات نتنياهو أسير بقائه في الحكم لتجنّب السجن، يستخدم الحرب ذريعة لتأجيل الانتخابات، فيما يزداد ضغط الشارع لإنهاء حرب لا نهاية لها.
حساب الأرباح والخسائر
حماس ربحت تعاطفًا شعبيًا فلسطينيًا وعربيًا محدودًا، لكنها خسرت السيطرة على غزة، والآلاف من مقاتليها وقادتها، وخرجت من الحرب منهكة ومنقسمة.
إسرائيل دمّرت خصمها لكنها دمّرت نفسها أخلاقيًا، وأفقدت جيشها هيبته، وواجهت عزلة غير مسبوقة.
لبنان دفع ثمن الجبهة الثانية، وخرج أكثر انقسامًا وفقرًا، بينما فقد حزب الله الجزء الأكبر من قدراته وكوادره.
إيران والنظام السوري السابق أثبتا أن شعاراتهما أكبر من قدراتهما الفعلية، ففقدا صدقيتهما أمام الرأي العام العربي، قبل ان ينهار النظام مطلع العام الحالي بسقوط نظام بشار الاسد وخروج سوريا من المعادلة نهائيا.
في المحصلة، الجميع خاسر. لم يخرج من بين الأنقاض سوى صورة واحدة واضحة: أن منطق القوة المفرطة لا يصنع أمنًا، وأن مغامرات “الانتصار الرمزي” لا تبني أوطانًا.
شرق أوسط بلا منتصر
بعد عامين على “طوفان الأقصى”، يمكن القول إن الشرق الأوسط دخل مرحلة ما بعد الوهم. وهم المقاومة المنتصرة من دون توازن قوى، ووهم الأمن المطلق الذي تبيعه إسرائيل لشعبها.
انكشف الجميع أمام الحقيقة المرة وهي ان لا محور الممانعة يملك مشروعًا سياسيًا أو أخلاقيًا قابلًا للحياة، ولا إسرائيل قادرة على قتل فكرة الحرية في شعبٍ تعلّم من المأساة كيف ينهض كل مرة من تحت الركام.
الدماء التي سالت في غزة وجنوب لبنان وسوريا وإسرائيل ليست أرقامًا في سجلات الحرب، بل مرآة لزمن مأزوم فقد فيه الجميع بوصلته. وفي حين يستمر نتنياهو في سياساته العدوانية، ويتخبّط محور الممانعة في شعاراته اليائسة، يبقى الشعب الفلسطيني وحده يدفع ثمن لعبة الأمم، مؤمنًا بأن الحرية، مهما تأخرت، ستنهض يوما من بين الرماد.
إقرأ أيضا: «رسالات» موقعة الصخرة.. بين المأساة والملهاة !

