هناك مقولة شهيرة تُنسب لكارل ماركس تقول: “التاريخ يُعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة”.
هذه المقولة تنطبق أكثر ما تنطبق هذه الأيام في لبنان على ما عُرف بـ”موقعة الصخرة” الأخيرة، والتي لم تزل فصولها تتوالى. هي التي أرادها القائمون عليها – كما يبدو – يوماً “مجيداً” آخراً في مسيرتهم كما 7 أيار 2008، أكثر منها مجرد ذكرى ووقفة وجدانية تليق بتكريم الشهداء، خاصة وأن الظروف اليوم – من وجهة نظر بعضهم – تتشابه نسبياً مع ما كان يومها من حيث الخروج من حرب 2006 التي اعتبروها “انتصاراً”، وتصرفوا على هذا الأساس ضد أبناء وطنهم. فكانت “المأساة” يومها عندما غطوا سماوات هزيمتهم أمام العدو بقبوات اجتياح بيروت والانقلاب على الحكومة اللبنانية بذريعة حماية “المقاومة” وتحت شعار “السلاح لحماية السلاح”.
اختلاف الظروف بين 2006 واليوم
لكن بعض القيِّمين اليوم على حزب الله يعرفون – بعكس البعض الآخر – أنه بالرغم من التشابه النسبي مع ظروف العام 2006، إلا أن الوقائع لا شك مختلفة رغم كل محاولات الإنكار. فالحزب كما لبنان، وحتى المنطقة اليوم، ليسوا بأي حال من الأحوال بمثل ما كانوا عليه في ذلك العام بما لا يسمح بتكرار 7 أيار عسكري جديد. فالعالم تغيّر، والطوفان طال الجميع، وجرف معه وقائع وشخصيات كان البعض يتوهم أنها ثابتة لا تتزحزح. الأمر الذي ترك أثره على الجميع وأدخل المنطقة في طور جديد من العلاقات البينية التي لم تكن تخطر على بال، كما في رسم خرائطها الجيو-سياسية التي قد تكون لمئة عام مقبلة على غرار اتفاقية سايكس – بيكو، التي نشهد اليوم – يا للمفارقة – تهديداً بحروب “كربلائية” بدعوى ترسيخ كياناتها ومنع تقسيمها، وذلك من لدن من كان يرفضها ويطالب بإلغائها باسم القومية والوحدة العربية تارة، والخلافة الإسلامية تارة أخرى.
موقعة الصخرة.. انعكاس لتخبط داخلي
هذه التطورات والمتغيرات تركت وتترك آثارها على الدول كما على الأحزاب والتنظيمات، وأهمها حزب الله نفسه. فقد أظهرت “موقعة الصخرة” وما سبقها من إقالات داخل الحزب، وتسريبات وأخرى مضادة عن بعض الشخصيات المهمة فيه، كم التخبط – كي لا نقول أكثر – الذي يعاني منه الحزب. وليس آخرها الموقف من خطة غزة، حيث التناقض ما بين موقف الشيخ نعيم قاسم في خطابه أمس الأول وبيان الحزب الصادر يوم أمس. هذا التخبط يدفع بالحزب إلى البحث عن معارك “دونكيشوتية” في الداخل تعويضاً له عن العجز الذي يشعر به أمام اعتداءات العدو الصهيوني على لبنان والجنوب بشكل خاص. هذه الاعتداءات التي لطالما أعلن الحزب أن الرد عليها وردعها هو في أساس وجوده التنظيمي والعقائدي، وهي “الشماعة” – إذا صح التعبير – التي يعلق عليها تمسكه بسلاحه ومعارضته قرار حصرية السلاح بيد الدولة بذريعة عجزها – الدولة – عن مواجهة هذه الاعتداءات.
الأبعاد السياسية لمحاولة فرض الأمر الواقع
من هنا، فإن “موقعة الصخرة” بدت وكأنها قمة هذه المعارك التي افتتحها الحزب بأحداث طريق المطار، حين اتخذت الدولة قراراً بمنع مرور الأموال غير المصرح عنها عبر مطار بيروت، ومن ثم قرار بتعليق عمل الطيران الإيراني إلى لبنان. بعدها انتقل للاعتراض – عبر فوج الموتوسيكلات – على قرار حصرية السلاح الذي اتخذه مجلس الوزراء بغياب الوزراء الشيعة في 5 آب الماضي، ومن ثم ألحقه بقرار الموافقة على أهداف خطة المبعوث الأميركي توماس باراك بخصوص الترتيبات مع إسرائيل في 7 من الشهر نفسه، وصولاً للاستماع إلى خطة قائد الجيش في جلسة 5 أيلول. هذه الخطة التي حاول الحزب تفريغها من مضمونها عبر “ادعاء” الانتصار على الحكومة – كعادته في محاولة تجميع الانتصارات – لمجرد أن الحكومة رحبت – ولم تُقر – الخطة كما لم تضع سقفاً زمنياً للتنفيذ.
هذا التخبط يدفع بالحزب إلى البحث عن معارك “دونكيشوتية” في الداخل تعويضاً له عن العجز الذي يشعر به أمام اعتداءات العدو الصهيوني على لبنان والجنوب بشكل خاص.
كل هذه المعطيات والوقائع، سواء منها ما يخص الوضع داخل الحزب، أم الوضع بشكل عام والعلاقة مع الحكومة اللبنانية، جاءت لتوحي بقوة بأن هدف ورسالة حزب الله – أو أحد أجنحته على الأقل – من “موقعة الصخرة” عبر جمعية “رسالات”، كان ما يشبه محاولة الانقلاب “السياسي” على الحكومة ورئيسها. وذلك عن طريق كسر قراره بالإصرار على إضاءة الصخرة خلافاً للترخيص الصادر عن المحافظ، الأمر الذي حوَّل المناسبة للأسف إلى ما يشبه المهزلة أو “الملهاة” بمجرياتها والأشخاص الذين تصدروا المشهد. وذلك في محاولة لوضع رئيس الحكومة وجهاً لوجه أمام القيادات العسكرية والأمنية بكل ما تمثل في البلد، ودفعه ربما للاستقالة من جهة، أو أن يضعه في مواجهة مع أعضاء حكومته في حال لم يتخذ أي إجراءات رادعة فتسقط الحكومة من جهة أخرى.
وهذا ما لم يحصل، وتم إفشاله بعد البيان الواضح الذي أصدره الرئيس نواف سلام، والحديث عن إمكانية الاعتكاف، الأمر الذي أدى – على ما يبدو – إلى امتصاص النقمة من غالبية أعضاء الحكومة التي رأت فيما جرى تحدياً لهيبة الدولة. فكان أن مرّ القطوع وفشل “الانقلاب” – بالرغم من الندوب التي تركها على مستوى العلاقة بين رأسي الحكومة والحكم – وشرعت بعدها الحكومة باتخاذ الإجراءات القانونية لناحية معاقبة الجمعية طالبة الترخيص، وملاحقة بعض المسؤولين عما جرى من خرق للقوانين. الأمر الذي سيستغله حزب الله في الأيام المقبلة بالطبع، سواء داخل مجلس الوزراء اليوم أو ربما في الشارع لاحقاً، وذلك لمواصلة خوض “معاركه” الداخلية الإلهائية لبيئته وشارعه لصرف الأنظار عن المشاكل الحقيقية. وهي معارك يتخذ منها بديلاً عن معركة ضائعة، أضاعت معها أرواح الناس وأرزاقهم وآمالهم بغدٍ أفضل يسوده الاستقرار والأمن والعيش الحر والكريم.
اقرا ايضا: صيدا ترفع الصوت: لا للهيمنة الحزبيّة على هويّة المدينة

