عندما تصبح كرامة الناس ثمنًا لبقائكم في السلطة

بعد عامٍ على الحرب، لا تزال آلاف العائلات التي هُدّمت منازلها عالقة بين الإهمال والوعود المؤجلة: إيجارات متراكمة، قرى مدمّرة، وواقع يزداد قسوة، بينما تنشغل القوى الحاكمة بإدارة السلطة، لا بإنقاذ من صمدوا ودفعوا الأثمان. وفي وقتٍ يتزايد فيه الغضب الشعبي، تصبح الحاجة ماسّة لوقفة ضمير ومسؤولية من كل من هم في موقع القرار، قبل أن يسبق الانهيار الجميع. فكرامة الناس ليست هامشًا، بل أساس كل شرعية، ولا بقاء لأي سلطة إذا فقدت صلتها بأوجاع أهلها.

وجعٌ لا يُرى… ومجتمع منسي

من الجنوب إلى الضاحية، ومن البقاع إلى الأطراف المنسية، يتكرّر المشهد ذاته: أمٌّ ثكلى تعيش على المساعدة، طفل تحت سقفٍ مكسور، قرية بلا ماء أو كهرباء، وآلاف العائلات المهجّرة لا تجد من يُعيدها إلى الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وسط هذا الركام، لا يلوح في الأفق أي برنامج واضح للإعمار أو الإيواء أو حتى للتخفيف من العبء المالي والمعنوي. بدلاً من ذلك، يُترك الناس لمصيرهم، وكأنّ ما جرى كان شأنًا خاصًا لا مسؤولية وطنية ولا إنسانية.

الكرامة لا تُختزل في فوهة بندقية

كلما ارتفعت صرخة جائع أو موجوع، أُعيدت نغمة “السلاح والمقاومة” إلى الواجهة، وكأنها المفتاح السحري لإسكات الوجع وتجميد المساءلة. لكن القضية اليوم لم تعد سياسية فقط، بل إنسانية وأخلاقية بالدرجة الأولى. السلاح لا يُطعم، لا يُؤمّن مأوى، ولا يعوّض من خسر بيته

وذكرياته. وحين تتحوّل الشعارات إلى غطاءٍ للتقصير، فإنها تفقد رمزيتها وتُصبح عبئًا على أصحابها، لا مصدر شرعية. لقد تحوّل الحديث عن السلاح إلى أداة استعطاف أحيانًا، وأداة ترهيب في أحيان أخرى، لتخويف الناس من المجهول، بينما المجهول الحقيقي بات حاضرًا في يومياتهم: الجوع، العراء، التهجير من جديد، والتخلّي. السلاح الوحيد الذي يحمي الناس اليوم هو كرامتهم. والمقاومة الحقيقية تُقاس بحجم الرعاية لمن قاوموا وصمدوا، لا بعدد الصواريخ. لا مقاومة تبقى إذا صار الناس وقودًا لها. ولا شرعية تدوم إن لم تُبنَ على احترام الإنسان لا استنزافه.

أين ذهبت الأموال؟

منذ نهاية الحرب، وُعد الناس بالإعمار والتعويض، وجُمعت أموال من التبرعات والدعم المحلي والخارجي. لكن لا وضوح، لا شفافية، ولا محاسبة. لا أحد يعرف من استلم، ومن وزّع، ومن استفاد. بعض الناس قبضت، والبعض الآخر ما زال يعضّ على الجراح بصمت. فما هو مصير من لم يقبض شيئًا حتى الآن؟ وما هو أمل من قبض، لكنه ينتظر المجهول هذا العام؟ هل أصبح الصبر نفسه بابًا للعقوبة؟ وهل بات من لا يملك “واسطة” أو “انتماءًا صحيحًا” يُعاقب مرّتين: مرة بخسارته، ومرة بنسيانه؟ أهكذا يُكافأ أبناء الجنوب؟ بالخذلان وانتظار المجهول؟ أهكذا يُردّ الجميل لمن قدّموا أرواحهم ودماءهم وأبناءهم؟ من صمد تحت القصف، لا يجب أن يُترك تحت سقف مكسور. ومن ضحّى لأجل الأرض، لا يجوز أن يُذلّ من أجل الإيجار.

الناس لا تريد وعودًا… بل حقوقًا

الناس لا تطلب المستحيل. الناس تريد حقها، لا مِنّة من أحد. تريد أموالها التي وُعدت بها، لأنها حقّ لا صدقة. تريد إعمار بيوتها التي دُمّرت، واستعادة أرزاقها التي ضاعت بسبب الحرب، وأعمالها التي توقّفت،

وأبناءها الذين تشتّتوا. منهم من استشهد، ومنهم من شُرّد، ومنهم من هاجر، ومنهم من يعيش في شلل وخوف دائم. ومنهم الجرحى، أولئك الذين يحملون الألم في أجسادهم كل لحظة، ومنهم من جُرح في روحه ونفسه، وأصيب بكسورٍ لا تُرى… لكنها تنهش أعماقه يومًا بعد يوم. وهذا الألم النفسي، وإن بدا صامتًا، إلا أن تبعاته مدمّرة ومؤلمة، ولا يجوز تجاهله أو التعتيم عليه. كل يومٍ جديد يمضي دون فعل، هو يوم يُضاف إلى رصيد الإهمال والتخلي، وتُدفع كلفته من حياة الناس وأعصابهم وكرامتهم. وأنتم، لا تزالون تَعِدون، فقط لتبقى امتيازاتكم قائمة، وسلطتكم محمية… على حساب من دفعوا الثمن.

هل بات من لا يملك “واسطة” أو “انتماءًا صحيحًا” يُعاقب مرّتين: مرة بخسارته، ومرة بنسيانه؟ أهكذا يُكافأ أبناء الجنوب؟ بالخذلان وانتظار المجهول؟

ثمن يُدفع من كرامة الناس

ما يزيد من مرارة المشهد أن بعض القوى السياسية لا تزال تتصرف وكأنها فوق المساءلة، متكئة على “شرعية نضالية”، وأحيانًا على ما تعتبره فهماً حصريًا للنصوص الدينية أو الوطنية، لتبرير صمتها أو التهرّب من مسؤولياتها تجاه الناس. لكن احتكار التأويل لا يعني امتلاك الحقيقة، ولا يُعفي من تبعات الإهمال. فحين يُستخدم النص كوسيلة لحماية القرار، لا لمساءلته، تتحوّل الشرعية من أداة بناء إلى ذريعة للتهرّب. صحيح أن العدو الصهيوني دمّر، هجّر، وشنّ حروبًا تركت آثارًا عميقة في العمران والنفوس، لكن الحقيقة المُرّة أن هذا العدو لم يكن وحده سبب ما وصلنا إليه. فما تفاقم بعد الحرب لم يكن فقط من فعل الخارج، بل من الداخل أيضًا: من غياب الرؤية، وتهالك الإدارة، والتمسّك بسلطة دنيوية لا تُنتج عدالة إنسانية، بل تُكرّس الغياب عنها. سلطة لا تُمارَس من أجل الناس، بل على حسابهم. العدو واضح ومعروف، لكن العجز والتقصير الداخليين لم يعودا قابلَين للتبرير باسم المقاومة أو الصراع. الناس لم يبخلوا يومًا بالدفاع والصبر والتضحية، قدموا أغلى ما يملكون، ووقفوا في وجه الحرب والحرمان بصبر لا يُقاس، وبعطاء لا محدود. ولا أحد يملك الحق

في المزايدة على تضحياتهم أو استغلالها لتبرير الإهمال. حين تُختزل حياة الناس في شعارات، وتتآكل كرامتهم على أبواب الحاجات اليومية، تصبح المشروعية السياسية على المحك. لا أحد يصمد طويلًا في موقعه إن جاع الناس وانهارت شبكة أمانهم. ولا خطاب مقاومة يمكن أن يصمد على أنقاض مجتمع مهدَّد من الداخل. فالناس لا يطلبون المعجزات، بل الحدّ الأدنى من الكرامة والعدالة. ومن لا يدرك هذه المعادلة، يخسر الناس… ويخسر معهم كل أساس شرعيّته.

الدولة… مشروع الخلاص الوحيد

أمام هذا التآكل في الثقة، وهذا الانهيار المتدحرج في كل مفاصل الحياة، لا بد من التوقف عند السؤال الجوهري: ما البديل الحقيقي؟ وأين تكمن بداية الإنقاذ؟ لقد أثبتت التجربة بكل ألمها أن تجاوز الدولة أو الالتفاف عليها لا ينتج إلا المزيد من الفوضى. وحين تصبح الدولة مجرّد ديكور أو واجهة تُستعمل عند الحاجة، يفقد الناس ملاذهم الأخير. لهذا، فإن العودة إلى الدولة ليست ترفًا تنظيريًا، بل ضرورة وجودية. وسط كل هذا التشتّت والانقسام، تبقى الدولة لا الشعارات ولا القوى الفئوية هي الإطار الوحيد القادر على حفظ الحقوق، وتحقيق العدالة، وضمان الكرامة. لا خلاص من هذا الانهيار إلا بإعادة تثبيت مشروع الدولة، لا دولة الواجهة، بل الدولة الحقيقية: دولة المؤسسات، والقانون، والمحاسبة، والرعاية. فكلما تراجعت الدولة، تمدّدت الفوضى، وتعاظمت سطوة الأمر الواقع، وضاعت الحقوق بين الوعود والولاءات. الدولة ليست طرفًا في النزاع، بل الحكم العادل بين كل الأطراف. ولا يمكن لوطنٍ أن يُبنى على ركام دولة منهارة، ولا أن يُصان شعبٌ بلا مؤسسات تحميه وتحتضنه. المقاومة الحقّة تبدأ من حماية الداخل، ومنع سقوط الناس في اليأس والذل، وهذا لا يتحقق إلا بدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وتعيد الاعتبار للناس كأصحاب حق لا كأدوات. إعادة بناء الدولة ليست ترفًا تنظيريًا، بل ضرورة وجودية. فكل مشروع لا يُسند إلى مؤسسات شرعية شفافةوفاعلة، يبقى هشًا، وسرعان ما يتحوّل إلى عبءٍ على أصحابه وعلى الناس. وحدها الدولة العادلة هي التي تستطيع أن تُنقذ، أن تُعمّر، أن تُداوي، وأن تُقاوم من موقعها السيادي، لا من هامش الارتهان والتبعية.

إلى من بيده القرار… قبل فوات الأوان

إلى من لا يزال يملك قرارًا أو تأثيرًا:

ما زال في الوقت متّسع لتدارك الأمور قبل فوات الأوان.

إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت، بل بالثقة. والمقاومة الحقيقية تبدأ برعاية الناس لا بإرهابهم، وباستعادة كرامتهم لا بتخديرهم بالشعارات. فلا تبنوا شرعيتكم على صمت الجائع، ولا على صبر المظلوم، لأن هذا الصمت لن يدوم… وإذا ما انفجر، لن يُبقي لكم شيئًا لتحكموا به أو عليه.

إلى من يستهويهم التطبيل والهتاف والتهليل في كل مشهد متكرّر، إلى من يظنون أن الضجيج يصنع مجدًا، أو أن الأوهام تبني أوطانًا… كفّوا عن خداع أنفسكم، ولا يغرّنكم هذا المشهد مرة أخرى. فما ترونه اليوم ليس ولادة جديدة، بل إعادة إنتاج لذات المسرحية، بنفس الوجوه، بنفس الشعارات، بنفس أدوات التضليل التي خبرتموها من قبل. لكن المؤسف أنكم كما في كل مرة تغضّون الطرف عن قراءة الواقع بصدق وشفافية، وتعيدون الوقوع في الفخ ذاته. وكأن التجربة لم تُعش، وكأن الجراح لم تُفتح، وكأن مرارة السقوط لم تُذق. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (سورة التوبة، آية 126)

إنّ المراهنة على تملّك الناس خطيئة، والاستخفاف بوعيهم إهانة لا تُغتفر. التطبيل لا يصنع حقًا، ولا يحجب باطلًا، ولا يغير من الواقع شيئًا، بل يزيده ضبابية. الأصوات المرتفعة لا تمنح شرعية، والهتافات لا تبرر الانحراف عن الحقيقة. لا تكونوا أسرى الضجيج، ولا تسمحوا بأن يُصادر وعيكم باسم العاطفة أو الولاء. فالحقيقة لا تختبئ، لكنها تحتاج إلى أعين صادقة لتراها، وضمائر يقظة لتقف عندها.

نصيحة صادقة:

لا تتجاهلوا آلام الناس، ولا تخونوا مخاوفهم وهواجسهم.

تواضعوا… وانزلوا من أبراجكم إلى حيث يقف الناس، في طوابير الانتظار، في أزقة القهر، في مآسي الغلاء والفقر والعجز.

استمعوا لهم، لا بآذان مُعلّبة، بل بقلوب مفتوحة. افتحوا أبواب الحوار بدلًا من إحكام أبواب الإنكار. فإن ما يُبنى على التملق والتجاهل لا يصمد، بل ينهار عند أول هزة، وتتهاوى معه كل الأقنعة. إن هذا النداء لا يأتي من فراغ، بل من وجع ناتج عن تكرار الكارثة. أُوَجِّهَهُ إلى من هم في موقع المسؤولية. فالناس، والطائفة، والجنوب، ليسوا بقرة حلوبًا تُستنزف عند الحاجة، وتُرمى في المجهول بعد كل سقوط. المعادلات القديمة لم تعد تصلح، وزمن الشعارات الخاوية انتهى. من أراد البقاء في ذاكرة الناس، فليخدمهم بصدق، لا أن يستخدمهم في معاركه. الوقت لم يعد في صالح أحد. إما الصدق والمسؤولية، أو السقوط مجددًا، وربما هذه المرة لن يكون هناك من يقف لينهض.

النهاية ليست قدرًا… إن وُجد الضمير

لا يزال بالإمكان التحرّك، إن وُجدت الإرادة. لكن الوقت يمرّ، والصبر ينفد، وكرامة الناس ليست ورقة سياسية… بل هي أصل الوطن. هناك مسؤولية ثقيلة، وواجب شرعي ووطني تجاه الناس. أما الهروب من تحمّل المسؤولية باصطناع مخاطر لا ناقة للناس فيها ولا جمل، فهو عين الشرّ، وعين الاتجار بمصير الناس، والاستهتار باستقرارهم، والطريق المباشر لضرب أي مقاومة حقة ومحقة. فلا مقاومة تُبنى على أنقاض مجتمع مكسور، ولا وطن يُحفظ إذا أُهدرت كرامة أهله. الكرامة ليست ترفًا… إنها الخط الأحمر الاخير.

إقرأ أيضا: بالتفاصيل: هذه خطة ترامب لغزة.. اليوم التالي في «أيدٍ محترفة»!

السابق
مصدر في حماس يعلن «الموافقة على تسليم السلاح وضمانات لانسحاب دائم».. والحركة تنفي
التالي
غريزةُ البقاء: هكذا يحتمي ما تبقّى من قيادة حزب الله بالسوبر-بيداغوجيا