أفغانستان بين مطرقة ترامب وسندان الصين: هل تصمد طالبان أمام الضغوط؟

خالد العزي دكتور علوم سياسية

مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية، يعود ملف أفغانستان إلى الواجهة، ولكن هذه المرة عبر بوابة قاعدة باغرام الجوية، الرمز الأكثر شهرة في الوجود الأمريكي السابق داخل البلاد.

في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان التحركات الأمريكية قبل الغزو الأول، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أنه يريد استعادة السيطرة على قاعدة باغرام، ملوّحًا بخيارين: إما أن تُسلَّم بشكل سلمي، أو يُعاد فرض السيطرة عليها بالقوة.

فهل يُعد هذا التصريح جزءًا من حملة دعائية انتخابية؟ أم أننا أمام خطة فعلية لإعادة رسم خريطة النفوذ في أفغانستان؟

دعوة صينية غير متوقعة لطالبان

في 21 سبتمبر/أيلول، وجّهت وزارة الدفاع الصينية دعوة رسمية إلى وزير دفاع طالبان، الملا محمد يعقوب، لزيارة بكين. هذه الخطوة المفاجئة أثارت الكثير من التساؤلات، لا سيما أنها جاءت بعد تصريحات ترامب بشأن استعادة باغرام.

وتُرجّح مصادر سياسية أن هذه الدعوة تهدف إلى اختبار موقف طالبان الحقيقي، عسكريًا وسياسيًا، تجاه أي تحرك أمريكي مرتقب. فالصين، مثل بقية القوى الإقليمية، تجد نفسها فجأة أمام احتمال عودة أمريكية مباشرة إلى أفغانستان، ما قد يهدد التوازنات التي عملت بكين على تثبيتها مع طالبان خلال السنوات الماضية.

ويبدو أن الصين تراقب الوضع عن كثب، خاصة في ظل المعلومات التي تشير إلى تحركات أمريكية فعلية على الأرض، ولقاءات تجري منذ أشهر مع شخصيات من المعارضة الأفغانية، ومن داخل طالبان نفسها، في دول مثل تركيا، قطر، الإمارات وباكستان.

استراتيجية ترامب: استعادة الهيبة الأمريكية قبل الانتخابات

من الواضح أن خطة ترامب الأفغانية مرتبطة بشكل مباشر بجدول الانتخابات الأمريكية، حيث يسعى لاستثمار فشل إدارة بايدن في الانسحاب من كابول عام 2021، وتحويله إلى فرصة لإبراز قيادته “القوية” من جديد.

ويتمثل “الحدث الرمزي” الأهم في هذه الاستراتيجية في رفع العلم الأمريكي فوق قاعدة باغرام، التي تقع على بُعد نحو 60 كم من كابول، خلال أقل من عشرة أشهر، أي قبل انطلاق الانتخابات النصفية. فبالنسبة لترامب، باغرام ليست مجرد قاعدة، بل رمز لاستعادة الهيبة الأمريكية المفقودة في أفغانستان.

المثير أن هذه الخطة ليست مجرد أمنيات؛ فمبعوثو ترامب يتفاوضون فعليًا مع شخصيات مؤثرة داخل طالبان. ووفقًا لمصادر أفغانية، فإن أكثر من 80% من قادة الحركة لا يعارضون الخطة الأمريكية، في حين يظل الأمير هيبة الله ودائرته المتشددة العقبة الأكبر أمام تمريرها.

وفي حال فشل المسار التفاوضي، فإن الخطة البديلة واضحة: عملية عسكرية محدودة تستهدف باغرام، بدعم جوي أمريكي وقوات برّية محتملة من الجنود السابقين للجيش الأفغاني، ممن يعيشون حاليًا في المنفى. وقد بدأت بعض الوكالات الأمريكية بإرسال دعوات لهؤلاء الجنود للمشاركة في “مشروع جديد”، ما يعكس جدية الاستعدادات العسكرية.

ارتباك في كابول وقلق إقليمي

التطورات السريعة أثارت حالة من الذعر داخل صفوف طالبان. فالأمير هيبة الله غادر مقر إقامته في قندهار إلى وجهة غير معروفة، خشية استهدافه بهجوم جوي. كبار مسؤولي “الإمارة الإسلامية” انسحبوا من المكاتب الحكومية، وقلّلوا ظهورهم العلني، بينما بدأت عائلاتهم بمغادرة البلاد نحو وجهات أكثر أمانًا كتركيا وقطر والإمارات.

وفي الأوساط العسكرية لحركة طالبان، يتصاعد القلق. فالمقاتلون العاديون ليس لديهم ملاذ واضح، ولا يبدو أنهم مستعدون لخوض مواجهة مع الجيش الأمريكي من دون دعم خارجي فعّال. وبمجرد أن تبدأ الطائرات الأمريكية من طراز B-52 بالتحليق فوق كابول وقندهار – كما حدث سابقًا – فإن التوازن النفسي والسياسي داخل طالبان قد ينهار، ممهّدًا الطريق لتفاهمات جديدة مع واشنطن.

الصين تراقب وتختبر نوايا طالبان

في هذا السياق المتوتر، تسعى بكين لتحديد موقف طالبان الحقيقي. فدعوة الملا يعقوب إلى الصين لم تكن بروتوكولية فقط، بل هدفها، وفقًا للمصادر، هو اختبار مدى استعداد طالبان لحمل السلاح ضد أمريكا. كما أنها تهدف إلى معرفة ما إذا كان يعقوب نفسه يملك توجهًا مستقلًا عن قيادة هيبة الله، أو إذا كان قد بدأ يُظهر مرونة تجاه مشروع ترامب في باغرام.

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يُوافق الأمير على سفر يعقوب إلى بكين، ربما لأن اللحظة حرجة، أو لأن القرار لم يُحسم داخليًا بعد. لكن المؤكد أن الصين، مثل غيرها من دول المنطقة، أُجبرت على إعادة حساباتها في أفغانستان، خشية أن يتغير المشهد بالكامل في غضون أشهر قليلة.

صراع إرادات ومرحلة مفصلية

كل الشواهد تؤكد أن تصريح ترامب بشأن استعادة قاعدة باغرام ليس مجرد خطاب انتخابي تقليدي. بل هو جزء من تحرك منظم، يستند إلى تحضيرات سياسية وعسكرية متزامنة. الرجل يسعى لاستثمار الفشل السابق لإدارتي بايدن وأوباما، وتحويله إلى نصر شخصي يعيد ترسيخ صورته كقائد قوي وحاسم في السياسة الخارجية.

لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود. فطالبان، رغم تشتتها الداخلي، ما زالت تحتفظ ببعض أوراق القوة، وقد تقلب الطاولة إذا تلقت دعمًا إقليميًا أو شعبيًا. كما أن القوى الكبرى كالصين وروسيا، لن تقف متفرجة أمام أي عودة أمريكية عنيفة إلى أفغانستان.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:هل ستسلّم طالبان قاعدة باغرام سلماً، أم سيضطر ترامب إلى استعادتها بالقوة؟

السؤال مفتوح على كل الاحتمالات، لكن المؤكد أن أفغانستان تدخل مجددًا مرحلة صراع إرادات… قد ترسم مستقبل المنطقة بأكملها.

اقرا ايضا: وقفة تضامنية مع الشيخ عباس يزبك أمام الأمن العام: لمنع التسييس والضغط والترهيب

السابق
طقس متقلّب اليوم واستقرار حار في اليومين المقبلين
التالي
لينا الطبال… اللبنانية التي رفعت صوتها داخل «أسطول الصمود» إلى غزّة