ضربة قطر… حينما تتحول الوساطة إلى هدف مشروع للاغتيال السياسي

خالد العزي دكتور علوم سياسية

في مشهد يعكس عمق التوترات الإقليمية وتحولات موازين القوى، تعرضت العاصمة القطرية الدوحة لما يبدو أنه محاولة اغتيال سياسي وأمني استهدفت قادة في حركة حماس خلال اجتماعهم لمناقشة الورقة الأمريكية الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة. وبينما توجّهت أصابع الاتهام إلى إسرائيل، فإن بصمات الموافقة الأمريكية كانت حاضرة، سواء بالصمت، أو بالتنسيق، أو حتى بالتخطيط المسبق.

الوساطة هدف

منذ سنوات، لعبت قطر دور الوسيط المقبول إسرائيليًا وأمريكيًا بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي. لم يكن هذا الدور وليد اللحظة، ولا وليد “طوفان الأقصى”، بل كان جزءًا من استراتيجية إقليمية متوازنة، حيث احتضنت الدوحة قادة الفصائل، وموّلت غزة بموافقة تل أبيب، وتوسطت في التهدئة مرات عدة، بالتنسيق مع الولايات المتحدة. هذه المعادلة المعقّدة جعلت من قطر لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات، أو تحركات ميدانية.

لكن ما حدث مؤخرًا، من استهداف مباشر أو غير مباشر لأطراف داخل قطر، ينقل الوساطة من كونها عنصر توازن، إلى هدف مشروع في عرف الاحتلال، وهو ما يحمل رسالة خطيرة لكل الأطراف: لا حصانة لأحد، ولا خطوط حمراء، حتى في دول الحلفاء.

إسرائيل واغتيال الحلول

الضربة التي نُفذت — سواء نجحت كليًا أو أُحبطت جزئيًا — تؤكد أن إسرائيل لم تعد ترى فائدة في التهدئة، بل تعتبر أن استمرار الحرب هو الخيار الأفضل لنتنياهو، الذي يجد فيها مخرجًا من أزماته الداخلية، وتأكيدًا لزعامته في ظل ائتلاف يميني متطرف لا يؤمن بالحلول السياسية.

في هذه المعادلة، لا تشكل واشنطن عامل كبح، بل عامل تغطية. فمهما علت النبرة بين البيت الأبيض وتل أبيب، ومهما بدا الخلاف تكتيكيًا في العلن، فإن الدعم الاستراتيجي يبقى قائمًا، ويتجلى في لحظة الصمت الأمريكية على استهداف حليف مثل قطر، تمامًا كما تغاضت سابقًا عن مجازر الحرب في غزة.

ارتباك أمريكي… وموقف خليجي موحد

المفارقة اللافتة أن الضربة، على الرغم من دقتها السياسية، جاءت بنتائج عكسية. فقد أظهرت الولايات المتحدة بموقفها المرتبك دولة غير قادرة على ضبط حلفائها، وأثارت شكوك دول الخليج بشأن جدوى التحالفات الأمنية معها. في المقابل، توحّد الموقف الخليجي والعربي بشكل نادر، داعمًا قطر ورافضًا لأي مساس بأمنها وسيادتها.

وسمحت هذه الوحدة لقطر بأن تنتقل إلى الهجوم السياسي، مستخدمة أدواتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة، ورافضة أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة. بل ذهبت أبعد من ذلك، بالدعوة إلى قمة عربية وإسلامية في الدوحة لمناقشة خطورة ما حدث، وتحويله إلى قضية إقليمية ودولية.

إعادة التفكير بالحماية الأمريكية

ما حدث ليس مجرد أزمة عابرة. إنه محطة مفصلية في العلاقة بين قطر والولايات المتحدة. فقطر التي تعرضت لضربتين — واحدة من إيران والثانية من إسرائيل — في أقل من ستة أشهر، بدأت تطرح سؤالًا استراتيجيًا: ما جدوى الحماية الأمريكية إذا كانت الدوحة تُستهدف من “الحلفاء”؟ وهل الاستمرار في المعادلة الأمنية الحالية يخدم مصلحة الدولة، أم أنه بات من الضروري البحث عن شراكات دفاعية جديدة مع قوى كبرى قادرة على توفير ضمانات فعلية؟

الخليج أمام مفترق طرق

الرسالة وصلت أيضًا إلى باقي دول الخليج. فنتنياهو، عبر هذا النوع من العمليات، لا يختبر فقط صبر قطر، بل يوجه إشارات تهديد مبطنة إلى دول أخرى قد تلعب أدوارًا وساطية أو تحاول تقييد طموحاته. إنه يعيد رسم خريطة المنطقة من جديد، مستغلًا حالة التراخي الأمريكي، والتردد الأوروبي، وانشغال العالم بملفات أخرى.

ومن هنا، فإن إعادة تقييم الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية، بل حتى “اتفاقيات إبراهام”، لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. فالمنطقة تتجه نحو تحوّلات كبرى، ولا يمكن لدول الخليج أن تبقى أسيرة معادلات قديمة لم تعد تضمن الأمن ولا الاستقرار.

اذن ، ضربة قطر ليست مجرد حادثة أمنية. إنها محاولة لتصفية خيار الوساطة، واغتيال للدور العربي المستقل، واختبار لصدقية التحالفات الدولية. والردّ العربي — إذا أُحسن تنظيمه وتنسيقه — قد يحوّل هذه اللحظة من لحظة انكسار إلى لحظة تحوّل، تفرض معادلات جديدة في الإقليم، وتعيد رسم موازين الردع والاحترام.

اقرا ايضا: إبراهيم ريحان: اطمئنان لبنان مفرط بعد «ضربة قطر»..فكلّ شيء بات مباحاً لـ«نتنياهو»

السابق
تسليم السلاح في مخيمي البداوي وعين الحلوة سيبدأ غدا السبت
التالي
قاسم يوسف لـ«جنوبية»: ضربة قطر ربما تكون «رسالة تحذيرية وليست فشلاً»!