إبراهيم ريحان: اطمئنان لبنان مفرط بعد «ضربة قطر»..فكلّ شيء بات مباحاً لـ«نتنياهو»

لا يمكن تجاهل السياق الإقليمي الأوسع لقصف قطر من قبل إسرائيل ومحاولتها اغتيال قادة حماس السياسيين في الخارج؛ فإيران تعرضت للقصف في الوقت الذي كانت تفاوض فيه الولايات المتحدة، وحماس قصفت فيما كانت وفود التفاوض تجتمع لمراجعة مقترحات الحل. والدولة الوسيطة، أي قطر، كانت بدورها هدفًا لضربة مباشرة. وحتى اغتيال السيد حسن في 27 أيلول من العام الماضي، جاء في لحظة كانت تشهد مساعٍ حثيثة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في نيويورك. كل ذلك يجعلنا نتساءل: على أي أساس يسود هذا الاطمئنان المفرط في لبنان اليوم؟ خصوصًا أن الضامن الأساسي، أي الولايات المتحدة، لا يمكن إنكار انحيازه الواضح إلى إسرائيل.

انعكاس الضربة على لبنان!

وفي ما يتعلّق بانعكاس العملية العسكرية على الملف اللبناني، يوضح الكاتب الصحفي إبراهيم ريحان لموقع “جنوبية” أنّ ما جرى يطرح سؤالًا مهمًا حول حالة الاطمئنان التي يعيشها لبنان اليوم، والتي يصفها بأنها “مفرطة وغير منطقية”. ويضيف: “عندما نتأمل العملية، نرى أن قطر حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، وعلى أراضيها توجد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وسرب من سلاح الجو الملكي البريطاني، ومع ذلك نفيذت اسرائيل الضربة هناك فكيف يمكن للبنان أن يشعر بالاطمئنان مقارنة بقطر؟”.

أما عن الموقف الأميركي، فيشير ريحان إلى أنه “لا يمكن إنكار الواقع بالاختباء وراء تصريحات عامة تقول إن أميركا لم تكن تعلم بالعملية”، معتبرًا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يجرؤ على تنفيذ عملية بهذا الحجم من دون موافقة أميركية مسبقة أو ما يشبه “قبة باط” تجاه قطر من الرئيس دونالد ترامب. ويرى ريحان أنه لو نجح الاغتيال، “لكان ترامب أول من يتبنى العملية، تمامًا كما حصل بعد ضربة إيران”، لكن فشلها دفع البيت الأبيض إلى إصدار تصريحات متملصة.

وعلى الرغم من أن زيارة مورغان أورتاغوس الأخيرة إلى لبنان كانت إيجابية في مجملها، بغض النظر عن طبيعة اللقاءات التي أجرتها مع المسؤولين اللبنانيين، والتي اتسمت بالهدوء والجدية. لكن المشهد حسب ريحان يشير إلى أن “كل شيء بات مباحًا لنتنياهو، وأن إسرائيل تتابع الملف اللبناني خطوة بخطوة. وهي تترقب لترى ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على حل ملف السلاح، لأن فشلها في ذلك قد يدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات تصعيدية بنفسها”.

ريحان: قطر حليف استراتيجي للولايات المتحدة الأميركية، وعلى أراضيها توجد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وسرب من سلاح الجو الملكي البريطاني، ومع ذلك نفيذت اسرائيل الضربة هناك فكيف يمكن للبنان أن يشعر بالاطمئنان مقارنة بقطر؟

تغيير ذهنية التعامل مع حزب الله من قبل الدول الخليجية!

من المؤكد أن هناك موقفًا خليجيًا موحّدًا لإدانة العدوان على قطر، ومن المرجّح أن يصدر خلال اليومين المقبلين بيان عن مجلس التعاون الخليجي، كما يُتوقَّع أن يزور قادة خليجيون الدوحة أو يشارك زعماء عرب آخرون في مظاهر تضامن مختلفة. وبرغم أن الضربة الأخيرة، على شدّتها، لم تغيّر الذهنية الخليجية، فإنها كشفت حجم المخاطر التي تقترب من أبوابهم. ومع ذلك، يقول ريحان انه “من غير المرجّح أن يدفعهم ذلك إلى إعادة النظر في موقفهم من حماس أو حزب الله، إذ لا تزال هذه القوى بالنسبة إلى معظم دول الخليج كيانات خارجة عن الشرعية”.

أما على مستوى مجلس التعاون الخليجي، فإن أدوات الرد تقتصر على الجانب السياسي، مستفيدًا من علاقاته القوية مع الولايات المتحدة الأميركية، بما يتيح له ممارسة ضغوط معينة على إسرائيل. غير أن العملية التي استهدفت الدوحة لا يمكن التعامل معها كحدث روتيني؛ فهي ليست من النوع الذي يتكرر يوميًا أو حتى كل ساعة، بل تشكّل حالة استثنائية تختلف عن الضربات التي وقعت سابقًا في صنعاء أو الضاحية.

هنا يشير المحلل السياسي إبراهيم ريحان بالقول ان: “العلاقة السياسية بين دول الخليج والولايات المتحدة تلعب دورًا بما يمكن تسميته (كبح جماح نتنياهو)، ومنعه من فرض شروط أمنية أحادية في منطقة الخليج، وعلى ما يبدو أن نتنياهو يعتبر نفسه شرطي المنطقة مطلق اليدين!”.

 ويرى ريحان “أن العملية مؤشر خطير على نية إسرائيل العدائية”، ويشير إلى “اجتماع الأمير محمد بن سلمان والشيخ محمد بن زايد، حيث تطرقا خلاله إلى موضوع إسرائيل الكبرى، كما صدر بيان لمجلس التعاون الخليجي الأسبوع الماضي عالي النبرة، بالإضافة إلى اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة. وعليه، فإن هذه الضربة، أو حتى مجرد اتخاذها، تعكس مؤشرات أوسع تتجاوز مسألة حماس وحدها”.

ويعتبر ريحان بالنسبة لموضوع التقارب الخليجي مع روسيا أو الصين، ان “تنويع الشراكات في الخليج لا يهدف إلى الحرب، بل يظل جزءًا من الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية، سواء مع الصين أو الولايات المتحدة أو روسيا”. ومع ذلك، يبقى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة الضامن الأساسي للأمن، فالقراءة الشاملة تشير إلى أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الفعلية في المنطقة، وليس روسيا أو الصين”.

ربطًا بالملف التركي!

بالنسبة لارتباط الاعتداء على قطر بالتهديد الإسرائيلي لتركيا، هناك تساؤل حول إمكانية توظيف تركيا لحزب الله وسلاحه كورقة قوة في مواجهة إسرائيل. فهل يمكن أن ينعكس ذلك على تفاهمات تحت الطاولة بين النظام الجديد في سوريا وحزب الله، فيما يمكن توصيفه بـ”لعب تحت الطاولة، يشرح ريحان ان: “الموضوع التركي مختلف جذريًا لأن تركيا المنافس الرئيسي لإسرائيل في المنطقة، فالغارات التي تضرب سوريا هي في جزء منها موجهة ضد النفوذ والمصالح التركية”، ويضيف: “من منظور تركي، قد تُستخدم هذه الأوراق السياسية والعسكرية لتعزيز موقع أنقرة في الصراع الإقليمي”. ويشير الى أن “بعض التقارير الإسرائيلية تتحدث عن مرور أموال لحزب الله عبر تركيا، وبغض النظر عن صحتها، فان هذه التقارير قد تكون صحيحة جزئيًا وليست عشوائية، لكنها تقع ضمن إطار صراع الوكلاء والتنافس على النفوذ بين أنقرة وتل أبيب “.

يبقى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة الضامن الأساسي للأمن، فالقراءة الشاملة تشير إلى أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية الفعلية في المنطقة، وليس روسيا أو الصين

ويضيف “أن إسرائيل تدعم قوات سوريا الديمقراطية والأكراد في شمال شرق سوريا لما يشكلونه من تهديد للأمن القومي التركي، بينما تسهّل تركيا مرور الموارد المالية والأسلحة لحزب الله عبر سوريا، سواء عبر جبهة تحرير الشام أو قنوات أخرى، ضمن المنافسة الإقليمية وحروب الوكالة.

وربما تسعى تركيا لتوظيف حزب الله بطريقة مشابهة لكيفية توظيف إسرائيل للقوى الكردية، والاكيد ان الحزب بصدد تلقف هذه المتغيرات والاستفادة منها حسب مصالحه. لكن “القرار النهائي يبقى لإيران، وليس لتركيا؛ فتركيا قد توفر الدعم المالي، بينما الارتباط مع إيران قائم على أسس أيديولوجية ودينية وعقائدية، وليس سياسية بحتة”، حسب قول الكاتب الصحفي ابراهيم ريحان.

خلاصة القول، إن ضربة الدوحة لا يمكن عزلها عن لوحة الصراع الإقليمي والدولي الأوسع، فهي رسالة مركبة إلى قطر وحماس وإيران وتركيا في آن معًا. وما بين اندفاع نتنياهو وخيارات واشنطن وحسابات الخليج، يبقى لبنان في قلب العاصفة من دون مظلة حماية فعلية. وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة حبلى بالاحتمالات، حيث لا مكان للطمأنينة الساذجة.

اقرا ايضا: بين غارة قطر وزيارة لودريان لبيروت: لبنان ساحة فصل أم ساحة تصعيد؟

السابق
أكبر إجراء من نوعه ضد الجماعة.. واشنطن تفرض عقوبات جديدة على الحوثيين
التالي
مسيرة اسرائيلية تستهدف دراجة في بلدة كفردونين وإصابة جنديين من الجيش اللبناني