إسرائيل في الجنوب السوري.. بوابة نحو العراق؟

الجيش الاسرائيلي القنيطرة

منذ سقوط نظام البعث السوري عام 2024، دخلت إسرائيل في الجنوب السوري ضمن عملية عسكرية حملت اسم “سهم بشان”، فرضت من خلالها منطقة أمنية غامضة المدة. وحتى شباط/فبراير 2025، أقامت إسرائيل ما لا يقل عن تسعة مواقع عسكرية؛ ثلاثة منها في جبل الشيخ وما حوله، والبقية جنوبًا. كما نشرت قوات خاصة تقدر بثلاثة ألوية، بعد أن كان حضورها مقتصرًا على كتائب خفيفة قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023.

تتمثل الأهداف المعلنة لإسرائيل في:

– تأمين الحدود الشمالية عبر إبقاء الجنوب السوري منزوع السلاح.

– تحجيم نفوذ إيران وحزب الله.

– تدمير شبكات الأسلحة الثقيلة للجيش السوري السابق.

– تقديم دعم رمزي للدروز في السويداء، مع مراقبة جوية مكثفة بطائرات مسيّرة.

ورغم الخطاب الرسمي الذي شدد عليه رئيس الحكومة نفتالي بينيت ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، بأن قوات إسرائيل ستبقى “لفترة غير محددة”، واجهت الخطوة تنديدًا دوليًا واسعًا باعتبارها انتهاكًا لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، وتدخلًا أحاديًا في سيادة دولة أخرى.

من “الجدار الحديدي” إلى مشروع إسرائيل الكبرى

الحضور الإسرائيلي جنوب سوريا لا ينفصل عن سياق تاريخي وفكري أوسع. ففي عام 1923، صاغ المفكر الصهيوني زئيف جابوتنسكي نظرية “الجدار الحديدي” التي تدعو إلى فرض الوجود اليهودي بالقوة، باعتبار أن العرب لن يقبلوا بدولة إسرائيل طوعًا. ومع الوقت، تحولت هذه النظرية إلى أساس للرؤية التوسعية الإسرائيلية القائمة على إضعاف المحيط وتفكيك الدول القوية.

من هنا برزت فكرة “إسرائيل الكبرى” الممتدة من النيل إلى الفرات. ورغم تراجعها في العقود الماضية بسبب صعود حركات المقاومة، لا تزال بعض الأدبيات والوثائق الإسرائيلية – بل والنصوص الدينية – تتعامل معها كمشروع استراتيجي ينتظر اللحظة المناسبة للتنفيذ. وهنا يطرح السؤال: هل يشكّل الجنوب السوري **ساحة الانطلاق نحو العراق**؟

ممر “داوود” ورؤية الشرق الأوسط الجديد

بحسب بعض الوثائق المسربة، تسعى إسرائيل للسيطرة على ما يسمى “ممر داوود” الممتد من الجولان إلى شمال العراق. هذا الممر لا يُنظر إليه فقط كبعد جغرافي، بل كمنصة لنفوذ اقتصادي وأمني يتيح لإسرائيل التغلغل في عمق الشرق الأوسط.

الفكرة تتقاطع مع رؤية شمعون بيريز لـ”الشرق الأوسط الجديد”، حيث تقود إسرائيل المنطقة بفضل تفوقها التكنولوجي والاقتصادي، فيما توفر الدول العربية الموارد والأسواق. بكلمات أخرى: إسرائيل العقل المُدير، والعرب مزوّدو الموارد.

العراق في الاستراتيجية الإسرائيلية

تنظر إسرائيل إلى العراق كمجال حيوي لإعادة التشكيل الإقليمي. وبدلًا من احتلال مباشر مكلف – على غرار تجارب الاتحاد السوفييتي أو غزوَي أميركا لأفغانستان والعراق – تعتمد على **استراتيجية التفكيك والسيطرة غير المباشرة**.

وتتلخص خطتها تجاه العراق في أربع مسارات:

1- التحالف مع قوى محلية: عبر علاقات سرية وعلنية مع أطراف عراقية تمنح إسرائيل موطئ قدم أمني واستخباري.

2- التفكيك الناعم للدولة: باستثمار الانقسامات العرقية والطائفية (عرب، أكراد، سنة، شيعة) لإضعاف السلطة المركزية.

3-الرهان على الزمن: انتظار التآكل الذاتي للعراق بفعل الفساد والتدخلات الخارجية، ما يُبقيه خارج معادلة التوازن الإقليمي.

4- التغلغل عبر مشاريع إقليمية: مثل طرح مناطق غربية عراقية ضمن “صفقة القرن” عام 2019، ورفضتها القوى العراقية لاحقًا بقانون منع التطبيع (2022).

نحو شرق أوسط مفكك

من خلال السيطرة على الجنوب السوري، تقترب إسرائيل ببطء من الحدود العراقية. الهدف ليس احتلالًا مباشرًا، بل “خلق وقائع ميدانية محدودة” على نقاط جيوسياسية حساسة، مع إضعاف البيئات الداخلية للدول المستهدفة. بهذه الطريقة، تعزز إسرائيل نفوذها دون تكاليف بشرية أو اقتصادية كبيرة.

في النهاية، يبدو أن إسرائيل تتحرك بخطوات محسوبة نحو “ترسيخ مشروع نفوذ إقليمي” يجعلها القوة الأكثر تماسكًا في بيئة عربية مفككة. ومع مؤشرات القلق التي تصدر عن مرجعية النجف حول “متغيرات قادمة” تهدد العراق، يبقى السؤال مفتوحًا: هل باتت سوريا مجرد محطة في طريق المشروع الإسرائيلي الأوسع نحو العراق وشرق أوسط جديد تُرسم ملامحه بقوة الأمر الواقع؟

اقرأ أيضا: باراك وأورتاغوس يقدمان وعودا لدعم نزع السلاح..واليونيفل أداة ضغط إضافية

السابق
الرئيس عون يهنئ بالعيد الـ80 للأمن العام: دور محوري في حماية الأمن القومي اللبناني
التالي
المبعوث الأميركي يخرج عن طوره: لبنان ليس بأهمية سوريا