فظاظة المبعوث الأميركي طوم براك، وتوتره الظاهر في بيروت، لا يعني بالضرورة أن الرد الإسرائيلي الذي حمله من تل ابيب على قرار الحكومة اللبنانية بتجريد حزب الله من السلاح كان سلبياً، لكنه كان مراوغاً، يعوض بشكل أو بآخر الفشل الذريع الذي مني به، على الجبهة السورية، وفي محافظ السويداء تحديداً، حيث لا تزال الخطط الإسرائيلية تتعارض مع النوايا الأميركية، التي تريد توفير الغطاء الشرعي لحكم الرئيس احمد الشرع، أكثر مما تهتم بضمان الشرعية لحكم الرئيس جوزف عون.
توتر براك المتزايد، يوحي بأنه بالفعل ضاق ذرعاً بلبنان، ولعله صار يقول في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، كلاماً مشابهاً لما قاله بحق الصحافيين
التوجه اللبناني الرسمي، والشعبي، نحو تجريد حزب الله من وظيفته الاصلية، ومن أسلحته غير الموجودة أصلاً، لم يعد يحتاج الى الكثير من الدفع الأميركي، ولا الى الالتزام بمهل زمنية مصطنعة، مثل مهلة نهاية العام الحالي، التي سيواجه بعدها لبنان خطر تجدد الحرب الشاملة. بات الامر يخضع لايقاع الزمن اللبناني، الذي سبق ان خاض هذه التجربة مع الحزب، قبل نحو 25 عاماً، من دون أن يفلح في إقناعه بالتسليم..ومن دون ان يتمكن من تجنب الاضطرابات الداخلية التي كانت تحت هذا الحجة الوحيدة، ولا تزال، برغم الاختلاف الجوهري بين ظروف ما بعد الجلاء الإسرائيلي في العام 2000، وبين ظروف ما بعد حرب الاسناد والتوغل الإسرائيلي الراهن في لبنان.
إقرأ أيضا: لماذا تحفر واشنطن عميقًا في لبنان؟
هذه المرة استغل العدو الثغرة التي فتحها القرار الحكومي اللبناني، في جدار التفاوض الثنائي، لكي يمد يد العون في تجريد حزب الله من السلاح، ولكي يتجنب الالتزام بالانسحاب التام من الأراضي اللبنانية المحتلة، بل بالتخفيف التدريجي للمواقع الإسرائيلية المتزايدة داخل الأراضي اللبنانية. مبدأ الخطوة مقابل خطوة، وهي فلسفة لبنانية خطرة، يعني ان مسار الخروج من الحرب والذهاب نحو الدولة وحصرية السلاح، يمكن ان تمتد لربع قرن جديد.. ويخضع لإشراف أو وصاية إسرائيلية، قد تشمل في مراحل لاحقة التحقق من سلاح حراس البلديات في لبنان، قبل نيل شهادات حسن سلوك من العدو.
لبنان ما زال فرصة لأميركا، لكنها لن تضيع مهما طال الزمن على قيام الدولة اللبنانية، ومهما طال الزمن على بقاء الاحتلال الإسرائيلي
إسقاط المهل الزمنية كان وسيظل سيفاً ذا حديّن. وكلما طال زمن الامتحان الذي يخضع له لبنان، كلما زاد خطر حزب الله، الذي لم يقتنع حتى الآن بأنه هُزم، ولن يقتنع بأن العدو نفسه يمكن ان يتوصل يوماً ما الى الاستنتاج بأنه ليس تهديداً لأمنها، وليس مطلوباً نزعه بالكامل، إذا اقتصر على طائرات الدرون والأسلحة الفردية.. وإذا كان بقاؤه يحقق مصلحة شيعية لبنانية دقيقة، يمكن فصلها كلياً عن المصالح الإيرانية وسواها من المصالح الإقليمية. والكلام الشائع على لسان المبعوث الأميركي طوم براك نفسه، عن الأفق الاقتصادي الواعد للشيعة، لا يخرج عن هذا الاطار، لكنه فقط يقارب المهل الزمنية بأسلوب جديد.
إقرأ أيضا:وجيه قانصو يكتب لـ «جنوبية»: الشرّ ثمرة تفاهة.. لا فعل أشرار!
لكن توتر براك المتزايد، يوحي بأنه بالفعل ضاق ذرعاً بلبنان، ولعله صار يقول في لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين، كلاماً مشابهاً لما قاله بحق الصحافيين، والأرجح انه يلح الآن على رئيسه دونالد ترامب كي يعفيه من هذه المهمة اللبنانية المعقدة، ويدعه يركز على احتواء الإخفاق الذي يواجهه في مهمته السورية، الأكثر أهمية، وهي تأهيل وتسويق حكم الرئيس أحمد الشرع، كخدمة لاصدقائه الأعزاء في تركيا..من دون الاشتباك مع الإسرائيليين الذين رفضوا حتى الآن وقف اعتداءاتهم العسكرية الإسرائيلية، بل باتوا يضاعفونها بالتزامن مع جولاته الدبلوماسية، ويقطعون طريق الحوار بين السويداء ودمشق، ويطلقون أوهام التقسيم في سوريا.
لبنان ما زال فرصة لأميركا، لكنها لن تضيع مهما طال الزمن على قيام الدولة اللبنانية، ومهما طال الزمن على بقاء الاحتلال الإسرائيلي.

