باراك وأورتاغوس يقدمان وعودا لدعم نزع السلاح..واليونيفل أداة ضغط إضافية

تتجه الأنظار في بيروت إلى زيارة الموفد الأميركي توم باراك والوفد المرافق له، والتي جاءت محمّلة برسائل سياسية مباشرة حول مستقبل سلاح “حزب الله”، ومربوطة بوعود اقتصادية ومساعدات دولية مشروطة. هذه الزيارة أعادت إلى الواجهة سؤالاً محورياً: هل يقترب لبنان من الدخول في مرحلة “اليوم التالي” لسلاح الحزب، أم أن التعقيدات الإقليمية ستبقي الملف في دائرة الاستنزاف؟

باراك: لا حرب بل خطة لترك السلاح

في لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، شدّد باراك على أن الاجتماع كان “مثمراً”، مشيراً إلى أن “الرئيس ترامب يريد أن يرى لبنان مزدهراً، وأن يتم نزع السلاح، فإذاً لماذا حزب الله مسلّح؟”. وأضاف: “في 31 آب ستستعرض الحكومة والجيش خطة، لا نتحدث عن حرب بل عن اقتناع حزب الله بالتخلي عن السلاح”.

اللافت أن باراك كشف عن خطة تمويل لتعويض من يترك سلاحه من الحزب، في مقاربة غير مسبوقة توحي ببرنامج “شراء سلاح” أو إدماج مقاتلين سابقين في الاقتصاد الرسمي. وهو طرح أثار كثيراً من التساؤلات في بيروت حول مدى جديته وإمكانية تطبيقه في ظل التعقيدات الداخلية.

الخليج والجنوب: اقتصاد مقابل أمن

في خطوة إضافية، ربط باراك بين المسار الأمني والسياسي وبين مستقبل الجنوب اللبناني، مشيراً إلى أن “دول الخليج ستساهم في المنطقة الاقتصادية جنوباً”، في إشارة واضحة إلى مشاريع تنموية كجزء من صفقة أوسع تشمل نزع قلق إسرائيل الأمني. وقال: “اتفاقية السلام مع إسرائيل هي الطريق للوصول إلى الازدهار والسلام”.

بهذا الطرح، بدا الموفد الأميركي وكأنه يرسم صورة للبنان الجديد: جنوبٌ مستقر بغطاء خليجي ـ دولي، سلاحٌ منزوَع، وتطبيعٌ إقليمي يفتح الباب أمام استثمارات وازدهار. لكن هذه الرؤية تصطدم بوقائع لبنانية ـ إقليمية لم تُحسم بعد.

واشنطن: الحزب لا يمثل اللبنانيين

الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس ذهبت أبعد في خطابها الإعلامي. ففي مقابلة مع موقع *IciBeyrouth*، قالت بوضوح: “حزب الله وأمينه العام نعيم قاسم لا يمثلان اللبنانيين، بل قوى خارجية هي إيران”. وأضافت: “نحن نحاول العمل مع حكومة لبنان، وتحسين المؤسسات الرسمية، خصوصاً الجيش”.

وأكدت أن واشنطن مستعدة لمساعدة الجيش على تطوير خطة نزع السلاح، مشددة على أن “لا نريد أن يتحكّم بلبنان أي طرف، نريده سيداً مستقلاً وقوياً”. هذا الموقف عكس استراتيجية أميركية مزدوجة: تجريد الحزب من شرعيته الشعبية وربط قوة لبنان بمؤسساته الرسمية.

هواجس عون: لا ضمانات إسرائيلية

في المقابل، نقلت معلومات *mtv* أن الرئيس عون ينظر بقلق إلى بيان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لأنه لم يتضمن التزاماً علنياً بالورقة الأميركية. فلبنان يطالب بضمانات واضحة من إسرائيل مقابل أي خطوة داخلية في ملف السلاح، لكن غياب الالتزامات يزيد المخاوف من أن يتحول لبنان إلى ساحة مكشوفة أمام الضغوط الإسرائيلية والأميركية معاً.

التمديد لليونيفيل

إلى جانب ملف السلاح، يواجه لبنان ضغوطاً في ملف التمديد لـ”اليونيفيل”. فقد تسلّمت بيروت صباحاً مسودة فرنسية معدّلة تأخذ بالاعتبار المطالب الأميركية، أبرزها التجديد لسنة واحدة فقط وترشيد المدفوعات. هذه المقاربة الأميركية تعكس رغبة واشنطن في تقليص النفقات وتحويل ملف اليونيفيل إلى أداة ضغط إضافية على بيروت، وربما على “حزب الله” في الجنوب.

الوفد الأميركي لم يتردد في التأكيد أن “إيران في وضع ضعيف ولا تنوي الخير وقدراتها باتت أقل”. كما لفت باراك إلى أن “لا مصلحة للرئيس السوري أحمد الشرع في علاقة عدائية مع لبنان، بل يريد التعاون معه”. هذه الإشارات تعكس رهاناً أميركياً على تحولات إقليمية قد تضعف أوراق الحزب وتفتح الباب أمام تفاهمات جديدة مع دمشق والخليج على حد سواء.

لبنان على خط الزلازل الإقليمي

زيارة باراك حملت أكثر من رسالة: عرض أميركي ـ خليجي بإعادة إدماج لبنان في مشروع السلام والازدهار، مقابل تنازل استراتيجي عن سلاح الحزب. لكن السؤال: هل يملك لبنان القدرة على الدخول في هذه المغامرة الآن؟

الواقع أن الداخل اللبناني لا يزال منقسماً جذرياً حول السلاح، والحزب ليس في وارد التخلي عن ورقته الأكثر قوة من دون تسوية شاملة على مستوى المنطقة. كما أن غياب ضمانات إسرائيلية واضحة يضعف أي محاولة للتقدم في هذا المسار.

في المقابل، يبدو الأميركيون مصممين على تحويل قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة إلى مدخلٍ لتغيير استراتيجي، مستخدمين أدوات الدعم المالي، الضغط الدولي، وورقة اليونيفيل لإحراج الحزب وإضعافه.

واخيرا، فانه ما بين وعود باراك بالدعم، وضغوط واشنطن، ومخاوف بعبدا من الغياب الإسرائيلي عن الالتزامات، يقف لبنان أمام منعطف مصيري. وإذا كان الأميركيون يراهنون على “اليوم التالي لسلاح حزب الله”، فإن الأسئلة تبقى مفتوحة: هل الظروف الداخلية والإقليمية ناضجة فعلاً، أم أن هذه الزيارة لن تكون سوى فصل جديد من مسلسل الضغوط، بانتظار صفقة كبرى لم تنضج بعد؟

اقرا ايضا: نتنياهو يعلن جهوزيه بلاده لـ«دعم لبنان» و«تقليص» احتلال جيشه للجنوب

السابق
الجيش اللبناني يضبط كمية كبيرة من الأسلحة والقذائف والذخائر الحربية
التالي
وزيرالطاقة: لبنان يواجه أزمة غير مسبوقة في شح المياه