إنه “اغتيال” الجناح العسكري لحزب الله. هذا على الأقل، ما يشعر به مناصرو الحزب الذين من المتوقع أن يفترشوا الشوارع في اللحظات والساعات والأيام المقبلة.
يعكس القرار الحكومي بالموافقة على ورقة الموفد الأميركي توم براك بالكامل (بعد انسحاب الوزراء الشيعة من الجلسة الحكومية) حالة وإرادة الحكومة إنهاء سلاح حزب الله في شمال الليطاني، كما في جنوبه.
وإنهاء سلاح حزب الله يأتي بعد “سحب شرعية” هذا السلاح من قبل الحكومة، بانتظار خطة الجيش لتسليمه.
جرأة سياسية كبيرة أقدمت عليها الحكومة بعد “اغتيال” ثلاثية حزب الله “جيش شعب ومقاومة”.
وما انسحابات وزراء الشيعة من الجلسة الحكومية التي كانت تناقش ورقة الموفد الأميركي توم براك إلا خطوة أولى في طريق المواجهة.
مراسم دفن “الثلاثية الذهبية” كان أعلنها رئيس الحكومة نواف سلام شخصياً، بعدما كان رئيس الجمهورية جوزيف عون قد مهّد لها منذ خطاب القسم وحتى خطابه الأخير في عيد الجيش اللبناني.
ويعكس القرار الحكومة جرأة الرؤساء جوزيف عون ونواف سلام وجرأة الحكومة بمجملها، بضغط من مختلف الفرقاء السياسية المشاركة فيها، باستثناء ممثلي حزب الله وحركة أمل.
الخلفيات الإقليمية والدولية للقرار الحكومي
ولكن ما هي مفاعيل هذا القرار الحكومي، الذي يعتبر الكثيرون أنه أيضاً نتيجة تهديد أميركي بتسليم البلاد إما لبنيامين نتنياهو أو لأحمد الشرع أو لهما سوياً، بالإضافة إلى الضغوط الدبلوماسية السعودية؟
سيشهد لبنان في الأيام المقبلة اهتزازاً بالاستقرار السياسي وقد يصل إلى فقدان التوازن الأمني.
إذ من جهته، يرفض حزب الله القرار الحكومي القاضي بتسليم السلاح، خاصة وأنه يدرك أن لا أحد يمون على القرار الإسرائيلي، الذي لم يقدم شيئاً بعد، لا بالانسحاب من باقي النقاط المحتلة، ولا بوقف الاعتداءات ولا الاغتيالات… وإن كانت إعادة الأسرى اللبنانيين ليست مشكلة أساسية بالنسبة للإسرائيلي.
فالانسحاب الإسرائيلي يمكن أن يبقى حبراً على ورق توم براك.
وكذلك، وخلال جلسة مناقشة ورقة براك نفذت إسرائيل اغتيال أكثر من شخص باستهداف سيارات في البقاع.
الخيارات الأربعة للمواجهة: من الاستقالة إلى المواجهة العسكرية
ومن المؤكد أن حزب الله يعتزم مواجهة القرار الحكومي بتسليم السلاح، انطلاقاً من اعتباره “غير موجود بالأساس”.
ولكن ما هي الخطوات العملية الممكنة أو المحتملة لهذه المواجهة:
1 – الاستقالة من الحكومة، ودفع الوزير فادي مكي، المستقل، للاستقالة، واعتبار الحكومة غير ميثاقية واعتبار قراراتها بالتالي غير دستورية. ويمكن بالتالي إعادة إنتاج آلية التعاطي نفسها، كما مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
في ظل عدم القدرة على إسقاط الحكومة، يمكن لحزب الله تأزيم الوضع السياسي بانتظار الربيع المقبل، موعد الانتخابات النيابية المقبلة، حيث يمكن التأثير “الميثاقي” على الأوضاع السياسية. وحزب الله قادر على الصمود الزمني ومحترف في لعبة استعمال عنصر الوقت لصالحه، بانتظار تعب الآخرين.
2 – مواجهة في الشارع بتظاهرات عملاقة، مشابهة لمظاهرة 8 آذار. وهو مما سيبرر للآخرين تظاهرات مشابهة لتظاهرات 14 آذار، تظاهرات ساهمت بتغيير الرأي العام الدولي لإخراج الجيش السوري من لبنان.
يمكن لحزب الله الانتقال من مشاهد التظاهرات الشعبية، مع جيش الدراجات النارية إلى تظاهرات منظمة تحمل أهدافاً واضحة رفضاً للقرار الحكومي.
3 – مواجهة عسكرية مع إسرائيل. وهي مواجهة تضغط حكماً على الحكومة. وهي ما يعتبرها الحزب “مشروعة”، ويعتبرها الآخرون انتحارية.
إذا كانت الآفاق السياسية مقفلة أمام حزب الله، وإذا كان الحزب يرفض تسليم سلاحه، وإذا كان الدعم الإيراني أصبح شبه معدوم بقطع الطريق عليه في سوريا وفي مطار بيروت (مطار رفيق الحريري الدولي)، وإذا كان الحزب يتجنب أي مواجهة عسكرية في الداخل مع الجيش اللبناني أو مع باقي اللبنانيين، فإن المخرج الوحيد المتبقي أمامه هو تحريك المواجهة العسكرية مع إسرائيل، حتى ولو كان البعض يعتبر ذلك هروباً إلى الأمام.
4 – أحداث أمنية داخلية، ولو غير حزبية في الظاهر، مثل تنفيذ عملية اغتيال أو أكثر.
الحدث الأمني يبقى خياراً هاماً للحزب. وإن كان من المستبعد أي تحرك عسكري في الداخل، أي استبعاد 7 أيار جديدة، أو أي تهديد بانقسام الجيش، أو أي مواجهة مع الجيش اللبناني. ولكن تبقى كل الاحتمالات مفتوحة.
محدودية الخيارات أمام حزب الله وتغيّر المشهد اللبناني
ومع ذلك، لا تبدو نوايا حزب الله تذهب في هذا الاتجاه، ولا الإجماع السياسي المواجه يمكن أن يغطي أياً منها.
طبعاً، يمكن أن تأتي “المفاجأة الممكنة دائماً” أن تبادر إسرائيل بإعلان حرب شاملة على لبنان، وعلى حزب الله وعلى بيئته بشكل خاص.
إن أبرز قراءات القرارات الحكومية هذه هو تحرير هذه القرارات من ضغوط الثنائي أمل – حزب الله، وإن كان جاء بضغوط خارجية. وهو أيضاً تحرر الوزير وليد جنبلاط من “مونة الاستيذ”، وهو ثبات وزراء القوات والكتائب والاشتراكي والمستقلين على مواقفهم في وجه الثنائي أمل – حزب الله.
لا شك أن مساحة تحرك حزب الله أصبحت محدودة مع الشح المالي، وبعد المآسي التي عاشها الحزب باغتيال قادته، وإن كانت قدراته البشرية لم تتأثر كثيراً.
ولا شك أن انتقال الحكومة إلى كوكب سياسي آخر سيجعل من إمكانيات الوصول إلى قواسم مشتركة مع حزب الله معدومة. وهو ما يعني بلوغ مرحلة التوتر العالي.
الآتي أعظم؟
يعتقد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن القرار الحكومي “شدة وبتزول”، ولكنه يدرك أيضاً أن المشهد السياسي في لبنان قد تغير جذرياً بسقوط نظام بشار الأسد وباغتيال السيد حسن نصر الله. ولا شك أن الحزب منكب على دراسة خيارات المواجهة الممكنة. فهل يمكنه الخروج بخيار خامس أو سيتحرك في إطار أحد الخيارات الأربعة المذكورة آنفاً؟
الطقس السياسي: رياح قوية، وأوضاع غير مستقرة، وخطر أعاصير… والآتي أعظم!!
اقرأ ايضا: قرار حصر السلاح بيد الدولة: قراءة في موقفي حزب الله وحركة أمل

