في خطوة إستراتيجية تعكس تسارع الترتيبات الدبلوماسية لإعادة تمحور الموقف اللبناني في المحافل الدولية، فتحت العاصمة الأميركية واشنطن أبوابها أمام قنوات التواصل المباشر مع بيروت؛ حيث أجرت سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض محادثات موسعة وحاسمة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشار الأمن القومي ميك نيدهام.
وقد حمل اللقاء دلالات سياسية بالغة الأهمية، تجلت في تجديد المسؤولين الأميركيين تأكيد دعم الإدارة الأميركية المطلق لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وللحكومة اللبنانية ومؤسسات الدولة الشرعية، مع تشديد واشنطن على التزامها المستمر والمستدام بصون سيادة لبنان واستقراره الإقليمي.
اتصال مرتقب من روبيو يمهّد لقمة يوليو
تركزت محادثات السفيرة معوّض حول الأبعاد التنفيذية والبروتوكولية لزيارة الرئيس عون المرتقبة إلى البيت الأبيض، والتي تم الاتفاق على وضع إطارها الزمني وموعدها النهائي في غضون شهر يوليو/تموز المقبل، وذلك بعد الترحيب المبدئي الذي أبداه الرئيس دونالد ترامب إبان مشاركته في قمة مجموعة السبع في فرنسا حين أعلن: «سيأتي الرئيس لرؤيتنا قريباً جداً»، واصفاً عون بـ”الرجل الطيب”، وهي العبارة التي تركت ارتياحاً كبيراً في الأوساط الرسمية بقصر بعبدا.
وتأكيداً على هذا المسار رفيع المستوى، من المقرر أن يجري الوزير ماركو روبيو اتصالاً هاتفياً مباشراً بالرئيس عون اليوم، لترتيب الأجندة المشتركة وتذليل العقبات البرية.
التحضيرات اللبنانية والخطوط الحمر مع سيمون كرم
على المقلب اللبناني، تكثفت الحركة الداخلية؛ حيث ترأس الرئيس عون اجتماعاً موسعاً للجنة المتابعة للمفاوضات تحضيراً للجلسة الخامسة المرتقبة، حيث زود الوفدين العسكري والدبلوماسي بتعليمات صارمة ترتكز على ترتيب النقاط السيادية اللبنانية المطروحة بالتعاون مع رئيس الوفد السفير سيمون كرم.
وتسعى بيروت عبر هذه الزيارة إلى تحويل الدعم الأميركي اللفظي إلى ضغط عملي على حكومة تل أبيب، خصوصاً بعدما تيقنت إدارة ترامب أن جملة من الحواجز تحول دون إتمام لقاء عون ونتنياهو في البيت الأبيض، مما يجعل التوجه اللبناني مرتكزاً على تفكيك “الجدران الإسرائيلية” التي تحاول فرض أمر واقع بري متمثل بـ “المنطقة الصفراء” العازلة في الجنوب.
تداخلات بازار واشنطن – طهران وحسابات الداخل
وتأتي هذه المحطة الدبلوماسية اللبنانية كإحدى النتائج المباشرة لمذكرة التفاهم الإطارية الأخيرة المعقودة بين واشنطن وطهران (عبر الوساطة الباكستانية)، والتي احتل لبنان مساحة رئيسية في مندرجاتها الأمنية. ورغم محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه المتشدد إعلان عدم التزامهم بما تم التوصل إليه، إلا أن مفاعيل التفاهم الإقليمي كبلت ميدانياً حركة قوات الاحتلال تحت وطأة ضربات المقاومة الإسلامية؛ حيث لم يبدِ حزب الله أي اعتراض على المسار التفاوضي طالما أنه سيفضي إلى انسحاب كامل للاحتلال من البلدات اللبنانية، مع الحفاظ على عمق علاقات الحزب الإستراتيجية والمالية مع طهران تحت عيون الرقابة الأميركية.
في المقابل، لم تخلُ كواليس العاصمة اللبنانية من قراءات حذرة وتشكيكية من جانب القوى التي لا تلتقي مع الخيارات الإيرانية؛ إذ حذرت تلك الأوساط من أن يتحول المشهد في واشنطن إلى “صورة تذكارية” خالية من المضمون التنفيذي، معتبرة أن المفاوضات الفاصلة والجوهرية لرسم مستقبل الحدود لا تزال تمر عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري كقناة تواصل رئيسية ومباشرة من البوابة الإيرانية تلاقياً مع مفاوضات واشنطن، مما يضع جهود الرئيس عون الدبلوماسية أمام تحدي انتزاع التزام أميركي حازم يلزم إسرائيل بالانسحاب الشامل والكامل دون قيد أو شرط.

