في دوحة عرمون، حيث تتشابك الجغرافيا مع حياة مئات العائلات التي تسكنها، تتسرب أنفاس الخوف والقلق من كل زاوية، وتتكسر أحلام الأمان على صخور واقع مرير. توسع عمراني عشوائي، تدفق لا ينقطع للنازحين الذين جاءوا، وغياب شبه تام لأي تخطيط أو خدمات إنسانية، كلها عوامل دفعت هذه المنطقة لتعيش على هامش الاستقرار، تعيش بين الفوضى والنسيان.
اكتظاظ سكاني وعمراني
خلال العشرين عاماً الماضية، شهدت دوحة عرمون ارتفاعاً غير مسبوق في عدد الأبنية السكنية، حيث تشير إحصاءات بلدية عرمون إلى أن عدد المباني في المنطقة ارتفع من حوالي 1,200 مبنى عام 2005 إلى أكثر من 3,100 مبنى في 2024، أي بزيادة تقارب 158%. هذا النمو الكبير لم يصاحبه أي تخطيط مدروس، ما أدى إلى اكتظاظ سكاني يفوق 35,000 نسمة في مساحة لا تتجاوز 1.5 كيلومتر مربع. ونتيجة لذلك، تعاني المنطقة من نقص حاد في الخدمات الأساسية، كالطرق الصالحة، الصرف الصحي، ومراكز الإسعاف والتعليم.
هذا الازدحام العمراني الخاطئ شكّل ضغطاً هائلاً على البنية التحتية، وجعل دوحة عرمون أكثر عرضة للمشاكل الاجتماعية والأمنية، حيث يلتقي تكدس السكان مع غياب الدولة بشكل مقلق، ما يفتح المجال أمام تفشي العنف والفوضى.
لجان محلية بدل الأمن الرسمي
في شوارع دوحة عرمون الضيقة، حيث تصطف الأبنية بشكل متلاصق وتتعالى أصوات الدراجات النارية في الليل، بات الخوف رفيقًا يوميًا لسكانها. الحوادث الأمنية التي تتكرر ليست مجرّد مصادفات، بل هي إشارات حقيقية إلى انهيار مؤسسات الدولة وفشلها في تأمين أبسط مقومات الحماية. غياب الأجهزة الأمنية أو ضعف حضورها دفع الأهالي لتشكيل لجان محلية «للدفاع عن النفس»، في محاولة يائسة لحماية عائلاتهم وأحيائهم، لكن هذه اللجان لا تملك سوى العزيمة في وجه هشاشة الأمن.
وسط هذا الفراغ، يكمن خطر أكبر يهدد وجود دوحة عرمون ومستقبلها، مع تشّكل عصابات محليّة الى جانب مجموعات دينية متطرفة تسعى لاستغلال الغضب واليأس المتزايد لدى الشباب المهمش، تستقطب عدد من الشباب لا يملكون سوى الفراغ، ولا يجدون فرص عمل أو مشاريع مستقبلية، ما يجعلهم فريسة سهلة للتطرف ولاعمال البلطجة. هؤلاء لا يهتمون سوى بنشر الخراب، والقضاء على كل أمل في الاستقرار، ليصبح الحي بؤرة للفوضى وللاعمال المخلة بالقوانين تقلق راحة السكان.
أحد شباب دوحة عرمون، الذي طلب عدم ذكر اسمه، يقول: «نحن نعيش في خوف دائم، لا نعلم متى ستبدأ المشاجرة التالية، أو متى سيصل العنف إلى باب بيتنا. كثير من الشباب هنا فقدوا الأمل، والفراغ الكبير يجعلنا نواجه مخاطر كبيرة. لا أحد يسمعنا، والدولة غائبة».
بين خذلان الداخل وصمت الخارج
هذه الكلمات تعكس الألم الحقيقي لسكان دوحة عرمون، الذين يشعرون أنهم محاصرون بين عجز الدولة وتسلل الفوضى. النساء هنا يخفن على أطفالهن من الذهاب إلى المدارس، وأهالي الحي باتوا يعيشون تحت ضغط مستمر من العنف والتهديدات الأمنية التي لا تنتهي.
إن حالة الفوضى التي تهدد الناس بالانفلات الامني في دوحة عرمون ليست مجرد خطر عابر، هي تهديد وجودي يمس نسيج المجتمع اللبناني بأسره. هو جرح مفتوح في قلب الوطن، يتطلب تحركاً عاجلاً وحاسماً من الدولة والمجتمع الدولي، لتوفير دعم حقيقي وسريع، يعيد الأمان ويوقف نزيف العنف.
دوحة عرمون ليست حالة معزولة، بل مرآة لما يعانيه لبنان بأكمله: دولة تتراجع، تولد عصابات محلية قد تستغل الفراغ فتتوسّع وتستقوي بالتطرّف اسوة بما يحدث مع غيرها من المناطق الموبوءة بالفلتان والفوضى، رغم ان غالبية الناس يتوقون إلى بصيص أمل وسط ظلمة متزايدة. فهل تسمع الدولة نداءهم، فتنجدهم بفرض سلطة القانون العادل على الجميع قبل أن تتحول المأساة إلى كارثة لا يمكن إيقافها؟
اقرا ايضا: غبار الوساطات يتلاشى… ولبنان على تخوم العاصفة الإقليمية

