لم تنجح زيارة الموفد الأميركي توم برّاك الأخيرة في إحداث اختراق حقيقي في ملف التهدئة بين لبنان وإسرائيل. ورغم محاولاته المتكررة الدفع نحو تسوية تشمل الانسحاب الإسرائيلي مقابل إعادة انتشار “حزب الله” شمال الليطاني، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى استمرار التصعيد لا التراجع. ومع تآكل فرص الحلول الدبلوماسية، تبرز ثلاث قضايا متفجرة تهدد بإعادة لبنان إلى دوامة الحرب: أزمة سلاح “حزب الله”، ملف “القرض الحسن”، وتجديد تفويض اليونيفيل الشهر المقبل.
سلاح “حزب الله”: بين بري والعسكر… لا مجال للمساومة
ربما الأخطر في المشهد الحالي هو ما نُقل عن الجناح العسكري لحزب الله بأنه أبلغ الرئيس نبيه بري، حليف الحزب التاريخي، بعدم رغبته في تسليم سلاحه “تحت أي ظرف”، سواء أكانت المفاوضات داخلية أم خارجية.
هذا التسريب ليس مجرد تفصيل، بل يعكس تحوّلاً نوعياً في التوازن الداخلي، إذ يُفهم منه أن القرار المتعلق بالسلاح لم يعد خاضعاً لا لمجلس شورى الحزب، ولا حتى للتفاهمات السياسية التقليدية، بل بات ملفاً عسكرياً خالصاً.
بالنسبة للموفد الأميركي، يشكل هذا الموقف نكسة حقيقية، إذ يسقط كل المراهنات على دور الوساطة اللبنانية، ويقوّض محاولة بري لعب دور الجسر بين الدولة والحزب. كما يضع الدولة اللبنانية برمتها في زاوية العجز، ويظهرها في صورة غير القادرة على ضبط قرار الحرب والسلم داخل حدودها.
ومع اقتراب موعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار الهش، فإن غياب أي آلية داخلية لتحييد السلاح قد يُسرّع في عودة الاشتباك مع إسرائيل، التي تلوّح منذ أسابيع بـ”عمل وقائي” في حال فشل الجهود الدولية.
“القرض الحسن”: حصان طروادة داخل النظام المالي
بموازاة الملف الأمني، يشتعل خلاف خفي حول “جمعية القرض الحسن”، الذراع المالية غير الرسمية لـ”حزب الله”، والتي باتت تثير قلقاً متزايداً لدى جهات لبنانية ودولية على حدّ سواء.
ففي حين أصدر مصرف لبنان قرارًا يمنع المصارف والمؤسسات المالية اللبنانية من التعامل مع “القرض الحسن”، استناداً إلى قوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لم تتحرك وزارة الداخلية لتنفيذ إجراءات إدارية تؤدي إلى إقفال الجمعية أو الحد من نشاطها، رغم أن ذلك من صلاحياتها المباشرة.
تبرير وزارة الداخلية بأن “القرض الحسن” هو جمعية خيرية مسجلة، لم يُقنع شركاء لبنان الدوليين، خصوصاً في ظل اتهامات واضحة بأن الجمعية تتيح لـ”حزب الله” إدارة شبكة مالية موازية للنظام المصرفي اللبناني، تعمل خارج رقابة المصرف المركزي والقوانين الدولية.
هذا التردد الرسمي حسب مراقبين، قد ينعكس سلباً على علاقة لبنان بالمجتمع المالي الدولي، ويضع البلاد أمام خطر حقيقي يتمثل في فرض عقوبات جديدة أو تقييد التعاملات المالية الرسمية مع البنوك اللبنانية، ما قد يعمّق الأزمة الاقتصادية الخانقة أصلاً.
مصير اليونيفيل: تعديل التفويض أم الانسحاب الكامل؟
الملف الثالث الذي يهدد الاستقرار هو مصير قوات “اليونيفيل” في الجنوب اللبناني. مع اقتراب موعد تجديد التفويض الأممي للقوة في آب/أغسطس، تتصاعد الخلافات بين القوى الدولية حول دورها المستقبلي.
واشنطن تضغط من أجل تعديل التفويض وتحويل اليونيفيل إلى “قوة متعددة الجنسيات رادعة”، ما يعني توسيع هامش حركتها واستعمال القوة عند الضرورة، وهو أمر يرفضه “حزب الله” ويعدّه بمثابة إعلان حرب.
في المقابل، تبدو باريس أكثر تحفظًا، ولا ترغب في تحويل مهمة اليونيفيل من حفظ السلام إلى تطبيقه بالقوة، لما في ذلك من خطر على قواتها العاملة على الأرض. أما إسرائيل، فذهبت إلى الحد الأقصى، مطالبة بسحب اليونيفيل بالكامل، باعتبارها “فشلت في منع تسليح الحزب” في الجنوب.
هذه المواقف المتضاربة تجعل من جلسة التمديد المقبلة اختبارًا حقيقيًا للغطاء الدولي الذي لا يزال يحول دون انفجار الجبهة الجنوبية. وأي فشل في التوصل إلى صيغة وسط قد يدفع الأطراف إلى التصعيد الميداني، إما عبر تقليص عديد القوات، أو إلغاء التفويض، ما سيترك الجنوب اللبناني مكشوفًا أمام كل الاحتمالات.
بين السلاح والشلل
في ضوء هذه الملفات الثلاثة، يتضح أن لبنان يقف على مفترق خطر.
فالعجز عن احتواء سلاح “حزب الله”، والصمت الرسمي إزاء “القرض الحسن”، والتباين الدولي بشأن “اليونيفيل”، كلّها مؤشرات على انهيار منظومة القرار الوطني، وانكشاف البلاد أمام تجاذبات إقليمية ودولية لا قدرة للبنان على تحمل كلفتها.
وإذا لم تتحرك الدولة بجدية لمعالجة هذه الملفات، أو على الأقل لضبط إيقاعها السياسي والأمني، فإن العودة إلى الحرب لن تكون احتمالاً نظرياً، بل واقعًا داهماً.
اقرأ أيضا: شرق أوسط على فوهة الانفجار: فشل المبادرات السلمية من لبنان وغزة الى سوريا وإيران

