في هذا الشرق، القابض على إنسانيته كالقابض على الجمر

ياسين شبلي

عندما تفلت الغرائز من عقالها، يغيب العقل وتسود شريعة الغاب، فيحل التكفير مكان التفكير، ويصبح القابض على “إنسانيته” كالقابض على الجمر. وما أحداث الأيام الأخيرة في سوريا إلا دليل موثَّق وبالجرم المشهود على ما نقول، ما يشكّل إدانة صريحة لبعض المعتقدات التي يتّخذها البعض، من كل الجهات، على أنها ثوابت، بينما هي في الحقيقة ممارسات وأفكار ينبغي مراجعتها وإعادة تحليلها لتصويب البوصلة.

فالضحية الأساس في هذه الأحداث كانت “الإنسانية”، التي بفقدانها سقط كل هؤلاء الضحايا، ما يجعلنا نشعر بالإحباط والاكتئاب من هذا الشرق ونقول:

ما أقسى أن تكون إنساناً حراً في هذا الشرق “الأسير”، البائس والكئيب، حراً إلا من آدميتك، التي ترفض كل قيد سياسي أو ديني أو عرقي، طائفي ومذهبي أو حتى وطني وقومي.

ما أصعب أن تكون الإنسانية هي طائفتك الوحيدة، ومذهبك، ووطنك، وقومك في هذا الشرق.

أن تكون إنساناً حراً في هذا الشرق “الغارب نوره”، فأنت “مغضوب عليك وضالّ” في عُرف بيئتك أولاً، ومُرَحَّبٌ بك من الآخرين حتى إشعار آخر.

طائفتك تعتبرك خارجًا على الملة، والآخرون يرون فيك “صيداً” ثميناً لهم، ويريدون لك أن تكون دمية “يُحرْتَقون” بها على طائفتك، حتى إذا ما دارت الأيام وأظهرت لهم عيوبهم، وهي من طينة عيوب طائفتك، رذلوك هم أيضاً واعتبروك “رجعت لأصلك”.

ما أقسى أن تكون إنساناً حراً في هذا الشرق “الأسير”، البائس والكئيب، حراً إلا من آدميتك، التي ترفض كل قيد سياسي أو ديني أو عرقي، طائفي ومذهبي أو حتى وطني وقومي.

الشرق الذي لا يحتمل الضوء ولا يطيق الحرية

في هذا الشرق التعيس، الشخص الجيد هو من يتفق معك في الحقد على الآخرين، ومن يبرّر لك أخطاءك ويزيِّن لك أفعالك.

هذا الشرق ناسه يهوون الطبل والزمر و”الرقص” فقط على جثث الضحايا، الذين قُتلوا إما باسم الله وذُبحوا على “الطريقة الإسلامية” بالتهليل والتكبير، أو باسم الوطن أو الحزب أو الزعيم المُلهَم، على وقع الأناشيد الحماسية.

أما طبول الفرح والرقص والموسيقى، فهي “حرام شرعاً”، وهي رجس من عمل الشيطان من جهة، أو طقس من طقوس الإلهاء عن مقارعة “الإمبريالية والصهيونية” من جهة أخرى.

أن تكون إنساناً حراً في هذا الشرق، هذا يعني أنك عميل للخارج ومرتزِق من منظمات “المجتمع المدني”، خائن ومرتد على عادات وتقاليد “المجتمع البدوي” أو الريفي، بأسوأ ما فيه من العصبية التي تصل حد العنصرية، حتى ولو كنت منسجماً مع أحسن ما فيه من قيم التضامن المشروع وشيم النخوة والشرف.

هذا الشرق ناسه يهوون الطبل والزمر و”الرقص” فقط على جثث الضحايا، الذين قُتلوا إما باسم الله وذُبحوا على “الطريقة الإسلامية” بالتهليل والتكبير، أو باسم الوطن أو الحزب أو الزعيم المُلهَم، على وقع الأناشيد الحماسية.

حرية تُزعجهم… لأنها تفضحهم

في هذا الشرق الكئيب والبائس، غير مسموح لك أن تكون نفسك. فأنت ملك للطائفة والمذهب، وفي أحسن الأحوال للعشيرة أو الوطن أو العِرق.

يُسمّونه “الشرق”، ويخشون شروق الشمس ولا يطيقون نورها، فيحجبونه، ويعبدون النار فيطلقونها على الآمنين من البشر بدعوى “تطهيرهم” من الآثام.

أن تكون إنساناً حراً في هذا الشرق يعني أن دمك مهدور. فإنسانيتك تُلوِّث “إيمانهم” بالتفوّق العرقي أو الديني، كما إيمانهم بأفكارهم المعلّبة باسم الجماهير.

وحريتك تزعجهم بأسئلتها، فتوقظهم من “سُباتهم”، وتُنغّص عليهم أحلامهم بـ”حوريتهم”.

حريتك حرام، و”حوريتهم” حلال.

حريتك تحطم أصنامهم المختلفة التي أقاموها تحت مسمّيات جديدة، كالأمير، والرفيق، والقائد، والخليفة.

و”حوريتهم” المتعددة الأشكال، هي هبة هذه الأصنام إليهم، لتُنمّي فيهم الغريزة بدل الفكر.

في الغرب يُقال: أنا أفكر، إذن أنا موجود

أما في هذا الشرق اللعين، فيُقال: أنا أفكر، إذن أنا مفقود.

اقرأ أيضا: باراك يغادر لبنان بأجواء غامضة: أسئلة أميركية مقلقة تنتظر أجوبة من لبنانية

السابق
استهداف إسرائيلي مباشر في برعشيت: رابيد يحترق بصاروخين من مسيّرة
التالي
لبنان في دائرة الخطر: سلاح الحزب «القرض الحسن» واليونيفيل… ثلاث قنابل موقوتة