شرق أوسط على فوهة الانفجار: فشل المبادرات السلمية من لبنان وغزة الى سوريا وإيران

ايران اميركا اسرائيل

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من انسداد الآفاق السياسية، حيث تتساقط المبادرات الدبلوماسية تباعاً على جدران الرفض، ويفرض منطق السلاح إرادته على خرائط التفاوض. ففي وقت تشتعل فيه الجبهات، من غزة إلى الجنوب اللبناني، مرورًا بسوريا وإيران، تسجل المفاوضات السياسية مستويات متدنية من الثقة والنتائج، فيما تتعدد الوسطات وتتناقص الحلول.

فمن اجتماع إيراني–أوروبي في إسطنبول غابت عنه واشنطن، إلى انسحاب الموفد الأميركي من مفاوضات غزة، ورفض “حزب الله” الالتزام بأي تسوية داخلية، وانهيار التهدئة بين السويداء ودمشق، تتبلور ملامح مشهد إقليمي جديد: التفاوض صار شكلياً، والقرار بات للسلاح.

أولًا: النووي الإيراني يعود إلى الطاولة بلا واشنطن

في إسطنبول، اجتمع مبعوثون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا مع وفد إيراني لمحاولة إحياء مسار الاتفاق النووي، في ظل تهديد العواصم الأوروبية بإعادة تفعيل العقوبات الأممية على طهران. لكن خلف هذا المشهد التفاوضي الرسمي، تُسجل نقاط ضعف جوهرية تهدد العملية برمتها.

أولاً، يغيب الأميركيون عن طاولة الحوار، ما يسحب من الاجتماع أي مضمون تنفيذي. فالمعادلة التي فرضها انسحاب ترامب من الاتفاق في 2018، ثم عدم قدرة إدارة بايدن على العودة إليه بشروط جديدة، أرست واقعًا يُقصي أي دور فاعل للدبلوماسية من دون توافق أميركي–إيراني مباشر.

وثانيًا، يأتي هذا الاجتماع بعد اندلاع حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران، استمرت 12 يومًا، وتخللها قصف أميركي لمواقع نووية في العمق الإيراني. وبالتالي، من الصعب تخيّل أن أيًا من الطرفين سيتنازل عن مكاسبه أو مواقعه ما لم يُعاد رسم خريطة النفوذ في المنطقة بالكامل، عبر صفقة شاملة لم تنضج بعد.

ثانيًا: مبعوث غزة ينسحب… و”حماس” على موقفها

في الدوحة، سقطت جولة جديدة من المفاوضات بين إسرائيل وحركة “حماس” برعاية أميركية–قطرية–مصرية، مع إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف انسحاب فريقه واتهامه حماس بـ”غياب النية الحسنة”. ورغم وجود مؤشرات سابقة على تقارب جزئي، خاصة بعد تقديم الحركة ردًا تضمن خرائط انسحاب وضمانات إنسانية، إلا أن القراءة الأميركية لم تتغير: حماس غير جادة.

الرد الإسرائيلي لم يكن أقل تشاؤمًا، مع عودة وفده من الدوحة واعتبار الرد “قيد الدرس”. ومع استمرار الحرب منذ 21 شهرًا، وتهديد المجاعة في غزة، يبدو أن الأطراف المتصارعة غير مستعدة بعد لدفع ثمن التسوية، في وقت تقترب فيه إسرائيل من الانتخابات، وتُستخدم فيه غزة كساحة لتصفية الحسابات السياسية الداخلية والخارجية.

ما يجري في غزة هو نسخة أخرى من انهيار النموذج التفاوضي: لا ضمانات، ولا وسطاء قادرين على فرض جدول زمني، ولا نية جدية لدى الطرفين لتقديم تنازلات استراتيجية.

ثالثًا: لبنان أمام كسر عظم داخلي..وسلاح “الحزب” خارج الدولة

في بيروت، فشلت الوساطة الأميركية التي يقودها توم برّاك في تحقيق أي خرق حقيقي بملف حصر السلاح جنوب الليطاني. ومع إعلان الرئيس نبيه بري رسميًا أنه لا يعد بحصر السلاح حتى نهاية العام، رغم انسحاب إسرائيل المحتمل، سقطت محاولة تقديم صيغة وسطية كان يأمل بها الأميركيون.

الأخطر من ذلك، أن مصادر موثوقة كشفت أن “حزب الله” أبلغ بري بعدم تسليم السلاح حتى لو انسحبت إسرائيل، واستعداده للصدام مع الدولة اللبنانية إن حاولت الأخيرة فرض واقع جديد.

هنا يبرز تحول مفصلي: للمرة الأولى، لا يظهر “الحزب” على موقف دفاعي أو تبريري، بل يبادر إلى إعلان “جهوزيته للمواجهة” مع الدولة نفسها، في تطور ينزع الغطاء السياسي عن أي مبادرة لبنانية أو أجنبية لنزع السلاح. وهذا يعني، عمليًا، أن لبنان يدخل مرحلة ما قبل الصدام الداخلي، حيث القرار العسكري لم يعد حتى في يد قيادة “الحزب”، بل في يد “جناحه العسكري” المتصل مباشرة بالإيرانيين، كما تفيد التسريبات.

رابعًا: السويداء وسوريا: تسوية ممنوعة… وذريعة إسرائيلية للتمدد

في الجنوب السوري، تعثرت محاولة فرض وقف إطلاق النار بين الدولة السورية والمجموعات المسلحة في السويداء، وسط اشتباكات متقطعة مع العشائر البدوية ومجموعات درزية. استغلت إسرائيل هذا الفراغ لتتدخل عسكريًا، بذريعة “حماية الدروز”، فقصفت مقر هيئة الأركان ومواقع قرب القصر الرئاسي.

هذا التدخل يكشف نية إسرائيلية واضحة لاستثمار الفتنة الداخلية من أجل تغيير قواعد الاشتباك جنوب دمشق، وربما فرض منطقة عازلة شبيهة بما جرى في الجنوب اللبناني سابقًا.

في الوقت نفسه، لا تبدو دمشق قادرة على فرض سيطرتها في السويداء، ولا على انتزاع سلاح “قسد” في الشمال الشرقي، إذ رفضت الأخيرة كل عروض إعادة الاندماج الأمني والسياسي، ما يعمّق من واقع التقسيم الجغرافي والسياسي للدولة السورية.

لا بدائل

في كل الساحات المذكورة، من لبنان إلى إيران، مرورًا بغزة وسوريا، تكشف التطورات الأخيرة أن ما يُفترض أنها مفاوضات، ليست سوى أوراق ملغومة تُستخدم لتثبيت المكاسب لا لتسوية النزاعات. ومع غياب الثقة، وتراجع الدور الأميركي المباشر، وغياب البدائل الإقليمية والدولية القادرة على إنتاج حلول، فإن المنطقة تتجه نحو مزيد من العنف المنظّم، حيث التفاوض يصبح جزءًا من استراتيجية الحرب، لا وسيلة لتفاديها.

وهكذا، فإن الفشل الدبلوماسي اليوم لا ينبع فقط من تعنت الأطراف، بل من انعدام الإرادة الدولية لفرض حلول، وترك الشرق الأوسط رهينة صراعات متشابكة لا يمكن تفكيكها إلا عبر زلزال إقليمي جديد، قد يكون أقرب مما نتخيل.

اقرأ أيضا: باراك يغادر لبنان بأجواء غامضة: أسئلة أميركية مقلقة تنتظر أجوبة من لبنانية صريحة..

السابق
جورج عبدالله حرّ بعد 40 عاماً… ويتجه إلى بيروت اليوم
التالي
بأوراق مزوّرة وعقار بنصف مليون دولار… أمن الدولة يُسقط محتالًا بالجرم المشهود!