أنهى الموفد الأميركي توم باراك ثلاثة أيام من المحادثات في بيروت، مغادرًا إلى باريس تاركًا خلفه غموضًا كثيفًا حول مصير الوساطة الأميركية، ومناخًا لبنانيًا مشحونًا بالمخاوف من تصعيد إسرائيلي قد يندلع في أي لحظة، في حال فشلت الضغوط الديبلوماسية. وقد حملت تصريحاته المتناقضة إشارات بالغة الدلالة، خصوصًا حين قال إن “الوقت يحدده جيرانكم”، في معرض رده على سؤال عن مآلات المفاوضات.
وبينما أكّد في مقابلة إعلامية أنه لا يتوقع عدوانًا شاملاً إسرائيليًا، ناقضته المعلومات التي أشارت إلى أن بعض من التقى باراك خرج بأجواء تشاؤمية شديدة، مفادها أن الدبلوماسية أمام فرصة ضيّقة قبل أن تعود الأمور إلى الميدان.
مهلة السلاح..اسرائيلية!
مصادر متابعة أكدت أن الرد اللبناني الذي سُلّم إلى الموفد الأميركي لم يتضمّن تغييرات جوهرية، بل حافظ على الثوابت: وقف العدوان، تنفيذ القرار 1701، تحرير الأسرى، وسحب السلاح من خارج الدولة. لكن باراك أعاد التأكيد أن إسرائيل هي التي تحدد مهلة سحب سلاح “حزب الله”، وليس واشنطن، محذرًا من استمرار القصف والغارات في حال لم تُنفذ خطوات ملموسة من قبل الحكومة اللبنانية.
وفي زيارته للبطريرك الراعي، سُجّل موقف لافت للموفد الأميركي حين قال: “لا أعلم ماذا ستكون النهاية، لكننا نواصل العمل للوصول إلى الاستقرار”، وهو ما زاد من ضبابية المشهد.
باراك توجه بعد مغادرته إلى باريس حيث سيجري سلسلة لقاءات مع المسؤولين الفرنسيين، في مقدمهم وزير الخارجية جان نويل بارو، والمبعوث الأميركي-الفرنسي المشترك للبنان جان إيف لودريان. كما نقل موقع “أكسيوس” أن باراك سيترأس اجتماعًا ثلاثيًا يضم مسؤولين إسرائيليين وسوريين، في تطور إقليمي يحمل مؤشرات جديدة على حجم التداخلات المحيطة بالملف اللبناني.
وفي هذا السياق، تتقاطع زيارة باراك مع تحرّكين رسميين: زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون إلى البحرين، حيث استقبله الملك حمد بن عيسى وأعلن إقامة بعثة ديبلوماسية دائمة في بيروت، وتأكيد دعم البحرين للإصلاح السياسي والاقتصادي اللبناني. كما شددت القمة اللبنانية-البحرينية على ضرورة تفعيل الاتفاقات الثنائية والتنسيق لمنع زعزعة الاستقرار الإقليمي.
الجيش واليونيفيل والإصلاح المصرفي: ثلاثية القرار الدولي بشأن لبنان
بموازاة ذلك، بدأ رئيس الحكومة نواف سلام زيارته الرسمية الأولى إلى باريس حيث يلتقي الرئيس إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. وتشير مصادر قصر الرئاسة الفرنسية إلى أن ماكرون سيكون حازمًا في مطالبة لبنان بإطلاق إصلاحاته المصرفية المتعثرة، محذرًا من أن أي مؤتمر دولي لدعم لبنان سيبقى معلّقًا في حال لم تُحل أزمة القطاع المصرفي، التي باتت مطلبًا ملحًا من صندوق النقد الدولي والدول المانحة.
أما في ما يتعلق بالتجديد لقوات اليونيفيل، فباريس تبذل جهودًا كبرى في مجلس الأمن، لكنها قلقة من احتمال اعتراض أميركي مدفوع بالضغوط الإسرائيلية، في ظل تعثّر ملف نزع سلاح “حزب الله”.
جلسة نيابية “مفخخة”: رفع حصانات وتحقيقات في ملفات الاتصالات
وفي ظل هذا المشهد المشحون، برز تطور داخلي نادر عبر جلسة رقابية لمجلس النواب، شهدت رفع الحصانة عن الوزير السابق جورج بوشكيان، وإحالة ملفات الاتصالات إلى لجنة تحقيق برلمانية. وقد كانت مداخلة النائب والوزير السابق بطرس حرب لافتة، حين حضر إلى الجلسة للدفاع عن نفسه، مؤكدًا أنه لم يخالف القانون بل عمل على وقف الهدر، وأنه كان أول مسؤول يصرّح عن ثروته تطبيقًا لقانون الإثراء غير المشروع.
وشهدت الجلسة انقسامًا حول آلية التصويت، إذ رفضت كتل نيابية عدة طرح الملفات دفعة واحدة، معتبرة أن حالة حرب تستحق فصلًا خاصًا نظراً لحيثياتها القانونية. ومع ذلك، تم التصويت على إحالة الملف، وانتُخب أعضاء اللجنة البرلمانية الخاصة بالتحقيق.
وفي خطوة داعمة، أعلن الاتحاد الأوروبي عن إطلاق مشروع جديد بقيمة 12.5 مليون يورو لدعم الجيش اللبناني، يُنفّذ بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، لتوفير الاستقرار في الجنوب والمساعدة في إعادة إعمار المناطق المتضررة.
ومع انتهاء زيارة باراك واستمرار المناورات الديبلوماسية، يبدو أن لبنان دخل مرحلة حرجة تُرسم معالمها بين بيروت وباريس، بينما يتأرجح الموقف الدولي بين شروط الإصلاح والتهديد بالعقوبات والتصعيد العسكري.
اقرأ أيضا: «الحزب» يرفع السقف: لبنان رهينة السلاح.. وإيران ترسم حدود الاشتباك

