الازدواج المالي في لبنان: من يدفع الثمن؟

حزب الله

من الصعب فصل العاطفة عن النقاش العام في لبنان، لكنّ السياسة لا تقيم وزنًا للعاطفة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بانتظام مؤسسات الدولة. نعم، القرض الحسن، كمؤسسة مالية غير رسمية، قدّم خدمات حقيقية لعدد كبير من اللبنانيين، لا سيما في الأوساط الشيعية ذات الدخل المحدود. لكنه، في المقابل، أضر بشريحة واسعة من المواطنين، وأسهم في تقويض الدولة المركزية ومبدأ المساواة بين اللبنانيين. هذا المقال يناقش كيف تحوّلت المساعدة إلى إشكالية سيادية، ويضع القرض الحسن تحت المجهر كنموذج لما يُسمى “الدولة الرديفة”.

القرض الحسن يساعد بيئة حزب الله من جهة ويضرّها من جهة أخرى

في حديثه عن مؤسسة القرض الحسن، يوضح الصحافي اللبناني عماد الشدياق أن آلية عمل الجمعية تقوم على جمع الذهب من المواطنين ثم استخدامه في منح القروض، وذلك ضمن ما يعتبره حزب الله “مساعدة لبيئته الحاضنة”. ويقول الشدياق: “من منظور الحزب، هذا الأسلوب يُعتبر دعمًا مباشرًا للناس في مناطقه، وهو فعلاً يوفّر نوعًا من التسهيلات، لكن في المقابل، هو يضرّ بهم وبغيرهم من اللبنانيين على مستويات عدّة”.

ويشير إلى أن “القرض الحسن” هي جمعية، والجمعيات في لبنان لا يحق لها قانونًا منح القروض للمواطنين، لأن هذا الدور محصور بالمصارف وبيوت المال الإسلامية التي تخضع لإجراءات تنظيمية صارمة بإشراف مصرف لبنان. ويضيف: “من المفترض أن تحصل أي جهة تُقرض المواطنين على ترخيص من مصرف لبنان. لكن للأسف، حزب الله ليس لديه هذا الترخيص، لأن الحزب نفسه مصنّف كمنظمة إرهابية في عدد من الدول ومدرج على لائحة العقوبات الدولية. وبالتالي لا يمكن للمصرف المركزي أن يمنح ترخيصًا لمؤسسة تابعة له”.

لبنان: مساءلة دولية وتهديد المكانة المالية!

يرى الشدياق أن الخطر الحقيقي في استمرار عمل القرض الحسن لا يتعلق فقط بالقانون المحلي، بل بانعكاساته على صورة لبنان في النظام المالي الدولي. ويقول: “وجود مؤسسة كالقرض الحسن، تعمل خارج الإطار الرسمي ودون ترخيص من مصرف لبنان، يعرض البلاد للمساءلة الدولية، خاصة في ما يتعلق بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب. ولهذا السبب، وُضع لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، مع خطر جدّي بالانزلاق نحو اللائحة السوداء”.

إقرأ أيضا: برّاك في بيروت غداً: «الحزب» يصعد ولبنان الرسمي يناور.. وقرار أميركي حازم

ويضيف أن هذا التصنيف لا يبقى حبيس التقارير، بل ينعكس على حياة اللبنانيين اليومية، داخل البلاد وخارجها. “كلما زادت الشبهات حول النظام المالي اللبناني، ازدادت الإجراءات المشددة في التعاملات المصرفية. فالتحويلات إلى الخارج باتت تستغرق وقتًا أطول، وقد تواجه بالرفض أو التجميد، سواء كانت لأشخاص عاديين أو لتجّار ومصدّرين ومستوردين. المعاملة التي كانت تُنجَز خلال يومين، قد تمتد اليوم إلى عشرة أيام أو أكثر، ما ينعكس خسائر مادية مباشرة على الشركات والمواطنين”.

ولا تقتصر الأضرار على القطاع المالي فقط، بل تطال، بحسب الشدياق، سمعة لبنان ككل: “اللبناني اليوم حين يسافر، يُنظر إليه بعين الريبة، ويخضع في المطارات لتفتيش مضاعف وتحقيقات مطوّلة عن أسباب سفره، وطبيعة عمله، والجهة التي منحت الفيزا، وكيفية حصوله عليها. هذه الصورة لم تكن موجودة قبل سنوات، حين كان الجواز اللبناني مرحبًا به في معظم الدول”.

تداعيات كل ذلك على إعادة الإعمار يكمن ان المجتمع الدولي يطالبنا بإصلاحات بهدف المساعدة في إعادة الإعمار، وحين يتعند حزب الله عن المضي قدما بالانضواء تحت مظلة الدولة اللبنانية فسينظر إلينا أننا دولة بلا سيادة ولن تتم مساعدة البلد في هذا الملف. القرض الحسن جزء من كل متكامل والمطلوب لائحة طويلة يجب على الدولة اللبنانية تطبيقها منها تبييض الاموال والعلاقة مع سوريا وملف السلاح إلى آخره.

تهرّب المؤسسات من التصريح المالي هو شكل من أشكال تبييض الأموال!

في دول العالم المتقدّم، يُنظر إلى دافع الضرائب على أنه شريك في بناء الدولة. أما في لبنان، فبعض الناس يعتبرون التهرب الضريبي نوعًا من الذكاء. وهذا تفكير خطير يجب مواجهته. لا بد من رفع الوعي بأن الدولة ملكٌ لجميع المواطنين، وأن دفع الضريبة هو مساهمة في المنفعة العامة، وليس عبئًا مفروضًا على فئة دون أخرى.

وتبييض الأموال لا يقتصر على الأموال الناتجة عن تجارة السلاح أو المخدرات، كما هو شائع، بل يشمل أيضًا كل الأموال التي لا تمرّ عبر النظام المالي الرسمي، ولا تُصرّح بها الجهات المعنية. فكل مؤسسة، مهما كان نوعها، يجب أن تصرّح لوزارة المالية عن أرباحها كي تُحتسب عليها الضرائب المتوجبة. وإذا لم تفعل، فهي عمليًا تقوم بعملية تبييض أموال، لأنها تُخرج أموالًا من الدورة الرسمية وتتحايل على النظام الضريبي.

ويشرح الشدياق المسألة عمليًا: “حين تدخل شنط الأموال النقدية عبر مطار بيروت دون التصريح عنها، تكون هذه الأموال خارج الإطار القانوني، وبالتالي لا تخضع للضرائب. وهذا شكل من أشكال الالتفاف على الدولة اللبنانية”. ويتابع: “قد لا تكون هذه الأموال من مصادر مشبوهة أو محرّمة، لكنها تصبح أموالًا مبيّضة بمجرد أن يُحتال بها على النظام المالي الرسمي. وهذا التهرب ينعكس على المجتمع بأسره. فعندما تُحرم الدولة من الضرائب، تُحرَم من الموارد التي تُستخدم لتقديم الخدمات العامة مثل الكهرباء، المياه، التعليم، الطبابة، وصيانة الطرقات وغيرها”. ويختم الشدياق بالقول: “المشكلة الأعمق أن حزب الله يتعامل بالأموال خارج الإطار القانوني، ومن دون أي ترخيص رسمي من الدولة. وهذا يعني أن منطق الدولة غائب، وأن هناك من يتصرف وكأن لبنان مجرّد غطاء شكلي، لا أكثر”.

المساواة بين اللبنانيين ضمن دولة واحدة موحدة!

المشكلة هنا لا تكمن فقط في وجود مؤسسة موازية للنظام المصرفي، بل في تداعيات هذا الوجود على النظام المالي الرسمي. فالقرض الحسن، بغياب الرقابة المصرفية عليه، لا يخضع لسياسات البنك المركزي، ولا يلتزم بالشروط القانونية المفروضة على سائر المصارف. ما يؤدي إلى خلق اقتصاد موازٍ يتغذى من التهريب والتحويلات غير المراقبة، ويسهم في تسهيل عمليات تبييض الأموال، بحسب تقارير محلية ودولية.

وإذا كان البعض يرى في القرض الحسن “حل بديل” عن المصارف التي فقدت ثقة الناس بعد الانهيار، فإن هذا “البديل” له تبعات كبرى تهدد الكيان اللبناني برمّته. فماذا لو قررت كل طائفة في لبنان إنشاء مصرفها، أو حتى جيشها، تحت شعار “البديل عن الدولة الفاشلة”؟ وهل نقبل بأن تُترك المعابر الحدودية والمرافئ البحرية والجوية بلا رقابة، أو تُستخدم للتحايل على الدولة وتهريب الأموال والسلاح؟

الازدواجية التي يعيشها لبنان – سلاح الجيش مقابل سلاح حزب الله، مصارف الدولة مقابل مؤسسات رديفة، تؤدي حتمًا إلى تفكك تدريجي للدولة نفسها. نحن لا نتحدث عن مجرد مؤسسة خيرية أو ذراع عسكري، بل عن مشروع كامل بديل عن الدولة، يحلّ محلّها حينًا، ويصطدم بها أحيانًا أخرى، ويعلو عليها في كثير من الأحيان.

ليس المطلوب شيطنة القرض الحسن ولا المزايدة على الفقراء الذين استفادوا منه، بل المطلوب هو بناء دولة قادرة على تأمين البدائل العادلة والشرعية لكل مواطن، بعيدًا عن الهيمنة السياسية والطائفية. فالتجربة أثبتت أن المؤسسات الرديفة تعزز الانقسام، وتغذّي اللاعدالة، وتجرّ البلد إلى صراعات لا تنتهي.

اقتصاد الظل!

لنتذكر ما حصل في العام 2020: حين دعمت الدولة البنزين والمازوت والمواد الغذائية، تم تهريب كميات ضخمة منها إلى سوريا عبر معابر غير شرعية. خسر الجميع، بمن فيهم من دعم التهريب تحت شعار “الصمود والمقاومة”. ولنتذكر أيضًا أن هناك من يدفع الضرائب والرسوم، في حين تستفيد مؤسسات أخرى من كل خدمات الدولة من دون أن تسدد أي مستحقات.

التمادي في اقتصاد الظل وتبييض الأموال وتهريب العملة والسلاح عبر المرافق الشرعية وغير الشرعية، لم يعد “لعبة” ولا مجرد “إغفال إداري”. بل هو مسار خطير يُقوّض فكرة الدولة من أساسها. إما أن نعيش تحت سقف الدستور الواحد، أو نتهيأ لحياة الميليشيات وقانون الغاب.

إعادة الإعمار رهينة السلاح والشرعية المفقودة

لكنّ المشكلة لا تقتصر فقط على الحاضر، بل تمتد نحو المستقبل، وخصوصًا في ملف إعادة الإعمار. فالدول المانحة، بحسب التصريحات الدبلوماسية، لم تعد تنظر إلى لبنان كسلطة ذات سيادة كاملة، بل كدولة مخطوفة القرار، تخضع في جزء كبير من سياساتها لسطوة حزب الله. وهذا ينعكس مباشرة على استعداد المجتمع الدولي للمساهمة في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب الأخيرة.

إقرأ أيضا: محام من «البيئة» يدعو إلى قتل المعارضين الشيعة.. أين نقابة المحامين؟

المساعدات الموعودة مشروطة، أولًا، بإيجاد حلول جذرية لمسألتي السلاح والتمويل غير الشرعي. حزب الله مُدرج على لوائح الإرهاب في عدة دول غربية، ومؤسساته خاضعة لعقوبات أمريكية. وهذا يجعل من أي تمويل دولي لإعادة الإعمار في مناطق نفوذ الحزب، خصوصًا الجنوبية، مسألة محفوفة بالمخاطر القانونية والسياسية بالنسبة للدول والمؤسسات المانحة.

وحتى لو وُجد التمويل، فإنّ العقبة الأمنية لا تقل تعقيدًا عن السياسية: إسرائيل، بحكم الأمر الواقع، لن تسمح ببدء أي عملية بناء في المناطق الحدودية ما لم تُعالَج قضية سلاح حزب الله وفق ما نصّ عليه القرار الدولي 1701، وهو ما يعني فعليًا أن آلاف العائلات المهجرة من الجنوب ستظل عاجزة عن العودة، ومناطق بأكملها ستبقى مدمّرة.

الأسئلة المقلقة تتراكم: ماذا لو طال أمد الأزمة سنوات؟ ماذا لو استمر القصف الإسرائيلي الذي بدأ عام 2023 وتجدّد في 2024 و2025، في محو قرى بأكملها؟ ماذا لو بقيت قرى الجنوب خارج خطط الدولة والإغاثة الدولية؟ الجنوب يُترَك لمصيره، مرّة بسبب الحرب، ومرّة بسبب المعادلات السياسية التي تربط الإعمار بالسيادة، والسلاح بالشرعية، والحزب بالدولة.

السابق
محام من «البيئة» يدعو إلى قتل المعارضين الشيعة.. أين نقابة المحامين؟
التالي
الطقس: كتل هوائية حارّة مصدرها شبه الجزيرة العربية تسيطر على لبنان.. والحرارة تتخطى معدلاتها