وسط تصاعد الاشتباكات الدامية في محافظة السويداء السورية، وارتفاع منسوب القلق من امتداد النيران الطائفية إلى الداخل اللبناني، أطلق لبنان الرسمي استنفارًا سياسيًا وأمنيًا وروحيًا لدرء ما يُخشى أن يتحول إلى شرارة فتنة مذهبية داخلية. من بعبدا إلى دار الفتوى إلى المشيخة الدرزية، حركة اجتماعات واتصالات مكثفة تهدف إلى سدّ أي ثغرة قد تتسلل منها رياح الانقسام الطائفي، على وقع التداخل العشائري والطائفي المعقّد بين لبنان والجنوب السوري.
لقاء رئاسي لمواجهة الخطر الزاحف
في ظل نزيف بشري تخطى الـ321 قتيلًا، وتدخلات إقليمية متشابكة، تتهيّب الدولة اللبنانية من تكرار سيناريوهات خطيرة شهدتها سابقًا، وتراهن على تبريد الجبهات الداخلية، وإن تعذّر وقف النزف في الجبهة السورية.
فرضت تطورات المشهد السوري عقد لقاء رئاسي ثلاثي بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، حيث جرى تقييم المخاطر الآتية من الجنوب السوري ووضع اللمسات الأخيرة على الردّ اللبناني حيال المقترحات الأميركية بشأن السلاح غير الشرعي، وسط معلومات عن قرب عودة الموفد الأميركي توماس باراك إلى بيروت نهاية الشهر.
اللقاء تناول أيضًا التدابير الوقائية المطلوبة لحماية الساحة الداخلية، وتحديدًا في المناطق ذات التماس العشائري والطائفي، من أي انعكاسات محتملة للصراع السوري الدائر، في وقت أعلنت المؤسسة العسكرية أن الجيش “لن يسمح بالمسّ بالأمن تحت أي ظرف”.
الطوائف على خط التهدئة: دور روحي لمنع الفتنة
في موازاة التحرّك الرسمي، لعبت المرجعيات الروحية دورًا لافتًا في احتواء التوتر. فقد أجرى رئيس الحكومة نواف سلام اتصالًا بشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، مشيدًا بموقفه المسؤول والداعي إلى ضبط النفس ووأد الفتنة، ومؤكدًا رفض استخدام أحداث سوريا لتغذية الانقسام الداخلي.
كذلك، شهدت دار إفتاء البقاع لقاءً جامعًا بين مشايخ العشائر العربية ووفد من الحزب التقدمي الاشتراكي، بحضور النائب وائل أبو فاعور، الذي شدد على أن “لا قبول بنشر الفتنة بين العشائر العربية وبني معروف”، مؤكدًا أن “موقفنا منصف للعشائر ويمكن أن يؤثر إيجابًا في سوريا”.
من جانبه، أكد المفتي علي الغزاوي أن “لبنان لن يكون ممرًا لفتنة سورية، وأبواب الفتنة ستُغلق من أي جهة أتت”، بينما شدّدت عشائر الجنوب السوري في بيان لها على ضرورة تأمين العودة الآمنة للنازحين “دون شروط”، في محاولة لتقليص أحد عناصر التوتر.
الشرع يُحمّل إسرائيل مسؤولية التصعيد
في دمشق، أطلّ الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بموقف حمل أبعادًا متناقضة؛ فبينما حمّل إسرائيل مسؤولية تفجير الوضع في الجنوب و”تهديد استقرار البلاد”، لم يتردد في توجيه الشكر للولايات المتحدة على “مواقفها الداعمة لسوريا في الظروف الصعبة”.
الشرع، الذي اعتبر أن الصراع في السويداء بلغ مستويات خطيرة، أشار إلى تدخل الدولة لـ”احتواء الوضع”، متهمًا بعض الأطراف الداخلية بـ”الاستقواء بالخارج”، ومجددًا التأكيد على أن السويداء تبقى “جزءًا أصيلًا من الدولة السورية”، رافضًا محاكمة طائفة بأكملها.
وفي وقت طالب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بربط عودة سوريا إلى المجتمع الدولي بـ”حماية الأقليات”، دعت المبعوثة البريطانية إلى “ضمان محاسبة كل من يرتكب انتهاكات”، ما يعكس سعيًا غربيًا لمقايضة “الاستقرار السوري” بالإصلاح السياسي وحقوق الأقليات.
لبنان محكوم بالحذر..
بين الاشتباك الإقليمي في سوريا والتأهب الأمني في لبنان، تبدو الساحة اللبنانية وكأنها تعيش على إيقاع فتيل قصير، قد يشعل الداخل إذا ما انفلت الميدان السوري أكثر. فرغم الرسائل المطمئنة التي تبثها القيادات، تدرك الأجهزة الأمنية أن الخطر قائم، لا سيما في ظل ارتباطات عائلية ومذهبية وعشائرية عابرة للحدود.
لبنان الرسمي، إذاً، يتحرك بجدية، لكن من دون ضمانات. فالقرار ليس بيده وحده، والتدخلات الإقليمية قد تتجاوز قدرته على الضبط. ومع غياب الحل في سوريا، يبدو أن المطلوب لبنانيًا ليس أكثر من شراء الوقت وتحصين الداخل… بانتظار العاصفة المقبلة.
اقرا ايضا: إسرائيل وتركيا: صراع الزعامة على أنقاض النفوذ الإيراني

