إسرائيل وتركيا: صراع الزعامة على أنقاض النفوذ الإيراني

تعتبر إسرائيل أن الخطر التركي على موقعها الإقليمي يفوق التهديد الإيراني، إذ ترى في أنقرة قوة طامحة إلى استعادة الزعامة الإسلامية في المنطقة، من خلال مشروع سياسي-ديني عابر للحدود. وتزداد هذه المخاوف مع التمدد التركي في سوريا، وتخشى تل أبيب أن يمتد هذا النفوذ باتجاه لبنان، خصوصاً بعد تراجع دور حزب الله وإيران.

في خضم التطورات المتسارعة جنوب سوريا، لا تبدو الاشتباكات المتقطعة في محافظة السويداء مجرد جولة جديدة من الفوضى الأمنية، بل تعبيراً عن تحوّل أعمق في خريطة النفوذ الإقليمي، خصوصاً في ظل تراجع الدور الإيراني، وصعود واضح للمشروع التركي في شمال البلاد. هذا التحول لا يمرّ مرور الكرام في تل أبيب، التي تراقب بقلق صامت تقدّم أنقرة نحو قلب المشرق، وتتوجّس من أن تكون المرحلة المقبلة عنوانها “الهيمنة التركية البديلة”.

أنقرة تتقدّم في “بلاد الشام”

طوال العقد الماضي، ركّزت إسرائيل اهتمامها الاستراتيجي على النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان. لكن، مع تآكل التموضع الإيراني بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، ومع تصاعد الضغط الاقتصادي والسياسي على طهران و”حزب الله”، بدأت العين الإسرائيلية تلتفت أكثر نحو أنقرة. فتركيا لا تكتفي بوجود عسكري مباشر في شمال سوريا عبر “الجيش الوطني السوري” والفصائل المتحالفة معها، بل تدير ملفاً دقيقاً يقوم على مزيج من الحضور السياسي والديني والاقتصادي في مناطق النفوذ.

ومع التفاهمات التركية – الروسية – الأميركية الضمنية، التي سمحت لأنقرة بالتمركز عميقاً داخل الأراضي السورية، باتت إسرائيل تخشى من أن يتحوّل هذا الحضور إلى منصّة تتيح لأنقرة التمدد باتجاه لبنان. هذا القلق يتزايد خصوصاً في ظل تراجع “حزب الله” بعد خسائره في الحرب الأخيرة وانكفائه نحو الداخل، بفعل الضربات الإسرائيلية المركّزة والمفاوضات الجارية لترسيم ترتيبات أمنية جديدة على الحدود.

في هذا السياق، تبرز نقطة تحوّل إضافية: انتقال أوراق التأثير داخل المشهد الفلسطيني من طهران إلى أنقرة. فالعلاقات بين تركيا وحركة “حماس” لم تعد محصورة بالدعم السياسي، بل امتدت إلى توفير ملاذات آمنة لكوادر الحركة، وتنسيق متزايد مع قيادات الضفة الغربية في ظل انقسام السلطة وتراجع التأثير المصري.

لبنان قد يكون المحطة التالية. ففي ظل الانكفاء الإيراني، والفراغ السياسي العميق، تبدو الساحة اللبنانية مفتوحة أمام كل اللاعبين: من السعودية التي تعيد التموضع، إلى فرنسا الباحثة عن نفوذ، وصولاً إلى تركيا التي ترى في “السُنة اللبنانيين” رافعة محتملة،

من وجهة النظر الإسرائيلية، يشكل هذا التحوّل مصدر قلق استراتيجي. فأنقرة، على عكس طهران، تملك أدوات “ناعمة” أكثر قدرة على التأثير في المجتمعات العربية، من خلال الدين والاقتصاد والتعليم، وهو ما يجعل مشروعها قابلاً للتوسّع بهدوء وفعالية، وبتكلفة أقل بكثير من المشروع الإيراني القائم على الميليشيات.

دلالات اشتباكات السويداء

أما ما يحدث في السويداء، فقد شكّل جرس إنذار لتل أبيب والعواصم الغربية على حدّ سواء. فاندلاع التوترات بين فصائل درزية محلية، وتدخل قوات من “الفرقة 15″ و”الجيش الجولاني” المدعوم من إيران سابقاً، دفع إسرائيل إلى التدخّل جوًّا بحجة “منع تهديد الجولان”، لكن خلف الستار، بدت العملية بمثابة محاولة لتثبيت خطوط تماس جديدة تضمن عدم وقوع الجنوب السوري تحت تأثير مباشر لأي طرف جديد، وخصوصاً تركيا.

فمن المعروف أن أنقرة تسعى، عبر واجهات أمنية ومجتمعية، إلى اختراق بعض مناطق الجنوب السوري، من خلال جماعات محلية محسوبة على “الفيلق الثالث” أو “أحرار الشام” سابقاً، كما تسعى إلى مدّ خطوط تواصل مع الدروز عبر وسطاء، الأمر الذي يقلق إسرائيل بشدة.

مشهد إقليمي جديد

ما يظهر اليوم في الجنوب السوري، وفي علاقات تركيا بحركات الإسلام السياسي، هو أن المنطقة تدخل في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات. لم تعد إيران اللاعب الحصري الذي يشغل بال تل أبيب. فقد باتت تركيا، بمزيجها من الإسلام السياسي والمصالح الجيوسياسية وارتباطاتها الأطلسية، تشكّل تهديداً من نوع جديد: تهديداً غير تقليدي، لا يعتمد على الصواريخ والميليشيات، بل على النفوذ البطيء، العابر للحدود.

وإذا ما استمر هذا الاتجاه، فإن لبنان قد يكون المحطة التالية. ففي ظل الانكفاء الإيراني، والفراغ السياسي العميق، تبدو الساحة اللبنانية مفتوحة أمام كل اللاعبين: من السعودية التي تعيد التموضع، إلى فرنسا الباحثة عن نفوذ، وصولاً إلى تركيا التي ترى في “السُنة اللبنانيين” رافعة محتملة، وفي “حماس” جسراً للعبور إلى الداخل الاسرائيلي.

والخلاصة، ان إسرائيل، وإن كانت تركز عسكرياً على ردع إيران و”حزب الله”، فإن عينها الاستراتيجية تتجه أكثر فأكثر إلى تركيا. والسبب لا يكمن فقط في القوة التركية الصاعدة، بل في طبيعة مشروع أنقرة الذي يجمع بين الأيديولوجيا والبراغماتية، وبين الذاكرة العثمانية والواقع الجغرافي. وهنا، يصبح سؤال المرحلة: هل تتصدّى إسرائيل للمشروع التركي كما واجهت المشروع الإيراني؟ أم أن المنطقة تتّجه فعلاً نحو توازنات جديدة تُطيح بثنائية “الممانعة” و”الاعتدال”، وتفتح الباب أمام “محور عثماني” ناعم ومتقدّم؟

اقرا ايضا: لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

السابق
بعدما نعته.. حفيدة الشيخ مرهج شاهين: جدّي عايش!
التالي
عويدات يتحدّى صلاحية البيطار ويرفض المثول أمامه في ملف انفجار المرفأ