أعلن ترامب وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، من دون أن يعلن نهاية الحرب، بل ظل بقاؤها ونهايتها مرتبطاً بمسار ونتائج جولة المفاوضات الجديدة التي ستجري بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني. المؤكد أن أرضية المفاوضات بين الطرفين لم تعد كسابقتها، بل تنطلق من معطيات ميدانية جديدة ومغايرة عن السابق، تجعل النظام الإيراني في موقع الضعيف وفاقد أوراق الضغط وعناصر القوة التي يدّعيها. فإسرائيل أظهرت لوحدها تفوقًا عسكريًّا نوعيًّا، وأهدافها كانت ذات طابع استراتيجي لا تقتصر على إحداث ضرر أو أذى، وإنما إضعاف قدرة النظام الإيراني الدفاعية، وتعطيل برنامجه النووي، أو تأخير نشاطه المعهود لسنوات طويلة.
لم يتدخل الطرف الأميركي مباشرة في الحرب، رغم حضوره الكثيف في توفير الإحداثيات والمعلومات الاستخباراتية والتجهيز العسكري. لكنه أراد اختتامها برسالة عسكرية لا تهزم إيران، لكن رمزيتها التدميرية تنبئ بأن استمرار الحرب مع الإصرار الإيراني على إبقاء نشاطه النووي بالوتيرة الحالية، لن تقتصر نتائجها على الإجهاز على برنامج إيران النووي، وإنما سيُجهز على النظام الإيراني نفسه. هي رسالة التقطها الإيراني ووافق على وقف الحرب من دون شروط أو تردد، ووافق عليها الإسرائيلي بارتياب وتردد، بفعل الضغط الأميركي الذي أعطاه الوعود الحازمة بأن المفاوضات القادمة لن تكون حول تفاصيل البرنامج النووي التقنية، وإنما حول إنهاء التخصيب داخل إيران.
توازنات القوة ومناورات اللاعبين الكبار
استثمر الأميركي مشهد الحرب ليؤكد مرجعيته في تقرير مصير البرنامج النووي، والضابط الأول لموازين القوى في الشرق الأوسط، والراعي الحصري لاستقرار المنطقة. ليتبيّن معنا أن الحرب منذ بدايتها صناعة أميركية، مع توزيع متقن للأدوار بين الأميركي والإسرائيلي. هذا لا ينفي تمايزًا بين الطرفين، لكنه تكتيكي أكثر منه استراتيجي. فالإسرائيلي يعتبرها حربًا وجودية، ولديه استعداد لتوظيف كامل طاقته العسكرية في مواجهة النظام الإيراني. لكنه، بخلاف حربه في لبنان أو غزة، لن يكون بإمكانه إنهاء الحرب ضد إيران، أو حصد الثمار السياسية لهذه الحرب. ما يستلزم حاجته للراعي الأميركي، الذي لا يتدخل شريكًا لإسرائيل وضامنًا لأمنها فحسب، وإنما بصفته المحدد الأول لمقادير وأوزان القوى ومساحة نفوذ كل دولة في المنطقة، والمهندس لأطر علاقات جديدة، أخذت ملامحها تتوضح في مشروع الاتفاق الإبراهيمي الذي تروج له الإدارة الأميركية، والذي تتزايد حظوظه بوتيرة سريعة بعد انكسار مشروع الممانعة، وسقوط نظام الأسد، وعودة نفوذ إيران إلى حدودها الطبيعية.
رغم خطاب التعبئة ولغة التصعيد واحتفاليات النصر التي تتردد على ألسنة القادة الإيرانيين، والتي توحي بصلابة لا تلين وعزيمة لا تهن، إلا أن هذا لا يعكس مسارهم السياسي الفعلي. فالنظام عوّدنا على اللعب من المنطقة الرمادية، أي المنطقة الملتبسة والضبابية، القائمة على المفارقة بين ما يدعيه وبين ما يمارسه، والجمع بين براغماتيته وبين نارية وحدة مواقفه، بين صلابة مبادئه وجهوزيته في ليّ هذه المبادئ وتحويرها لتخدم أغراضه. لعبة السلطة كانت وما زالت: لا تقصد إلا ذاتها، ولا يعنيها سوى البقاء والتوسع والتمدد، مستعينة بما توفر لديها من مسوغات غيبية وادعاءات أخلاقية ودوافع إنسانية، وتلاعبات جماهيرية. وليس النظام الإيراني استثناءً من هذه المقولة، بل هو في سياقه الطويل نموذج جليّ لها.
رغم خطاب التعبئة ولغة التصعيد واحتفاليات النصر التي تتردد على ألسنة القادة الإيرانيين، والتي توحي بصلابة لا تلين وعزيمة لا تهن، إلا أن هذا لا يعكس مسارهم السياسي الفعلي.
تصدع في الداخل الإيراني وتحولات محتملة
فإيران لن تبقى عبر نظامها خارج المعادلات والتسويات الجديدة القادمة في المنطقة، بخاصة مع إدراك القادة الإيرانيين أن خطاب النظام الإيديولوجي المحمّل بغيبيات مكثفة قد وصل إلى ذروة إشباعاته واستنفد جميع أغراضه، وأن الاستمرار في الرهان على التطلعات الثورية القديمة بات مُهدِّدًا لبقاء النظام واستمراره. ما يجعلنا نتوقع تحولات وتغيرات هامة نوعية في الداخل الإيراني، إما بفعل طوعي من النظام، إما بفعل الضغط الخارجي الذي سيتصاعد ويشتد ليُخرج النظام الإيراني من مروقه الدولي، وإما بفعل التململ المجتمعي الذي ولدته الأوضاع الاقتصادية المزرية وقبضة النظام البوليسية لمجريات الحياة العامة داخل إيران.
إيران لن تبقى عبر نظامها خارج المعادلات والتسويات الجديدة القادمة في المنطقة، بخاصة مع إدراك القادة الإيرانيين أن خطاب النظام الإيديولوجي المحمّل بغيبيات مكثفة قد وصل إلى ذروة إشباعاته واستنفد جميع أغراضه
حين انطلق طوفان الأقصى، ظن النظام الإيراني أن مشروع الثورة ما يزال يحمل كامل طاقة تغيير المعادلة الإقليمية وبناء ميزان قوى جديد. لم يدرك حينها أنها كانت بداية تاريخ جديد لنهاية مشروعه الطامح الذي أطلق فيه العنان لخياله، وبالغ في تقدير إمكاناته، الأمر الذي وسّع الفجوة بين ما يظنه عن نفسه وبين حقيقته الفعلية. هذا التاريخ قد يكون فرصة يقظة لاستدراك الذات من عماها الدوغمائي، وقد يكون مؤشر موت مهين لفكرة هجينة غافلت التاريخ، والتبشير بولادة فكرة لها قوة المكوث الراسخ في الأرض.
اقرا ايضا: لبنان أمام مفترق السابع من تموز: واشنطن تضغط بالسلاح والاقتصاد… وبري يُشعل الجلسة التشريعية

