الدكتور سعود المولى هو باحث واستاذ جامعي وأكاديمي لبناني بارز في مجالي علم الاجتماع السياسي والدراسات الإسلامية، يعمل حاليا كباحث بالمركز العربي للابحاث والدراسات في قطر، ألف وشارك في تأليف عدد كبير من الكتب بالدراسات الاجتماعية والسياسية، خصوصاً حول الحركات الإسلامية، منها :”من حسن البنا إلى حزب الوسط”، “الحركة الإسلامية وقضايا الإرهاب والطائفية”، “السلفية والسلفيون الجدد: من أفغانستان إلى لبنان” ، “من فتح إلى حماس: البدايات الإخوانية والنهايات الوطنية”.
بين الثابت النظري في الحقوق، والمتحوّل الواقعي في السياسة، تبقى قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا وإلحاحًا. فمع تآكل فرص “حق العودة”، وتفاقم الضغوط الأمنية والاجتماعية حول المخيمات، تتوزع المواقف اللبنانية بين من يرفض التوطين بالمطلق، ومن يرى ضرورة معالجة الملف من زاوية إنسانية ووطنية لا تمس التوازنات الديمغرافية. أما الخشية من استثمار هذا الملف سياسيًا، فتبقى حاضرة في الخطاب العام، خصوصًا في ظل تداخل السلاح الفلسطيني والسلاح الحزبي داخل الساحة اللبنانية.
في هذا الحوار، يقدّم الدكتور سعود المولى، الأستاذ المتقاعد من الجامعة اللبنانية ومن معهد الدوحة للدراسات العليا، وزميل أول زائر في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية بقطر، قراءة مركّبة لواقع التوطين وحق العودة، تتقاطع فيها التجربة التاريخية مع المعطيات الراهنة.
-هل تعتبر أن التوطين خيار واقعي للفلسطينيين في لبنان في ظل غياب أي أفق لتحقيق شعار “حق العودة” إلى فلسطين؟ سيما وأن الحديث عن ترحيل إضافي للغزاويين من غزة!
ليس التوطين خيارًا واقعيًا لأن الفلسطينيين واللبنانيين على السواء يرفضونه. نعم ليس هناك اليوم من أفق لحق العودة ولكن هذا الحق نصت عليه قرارات الأمم المتحدة خصوصًا القرار التاريخي رقم 194 الصادر في 11 ديسمبر/كانون الأول 1948، والذي يعاد التأكيد عليه في كل عام منذ 1948، وهو ينص على “وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وكذلك عن كل فقدان أو خسارة أو ضرر للممتلكات بحيث يعود الشيء إلى أصله وفقاً لمبادئ القانون الدولي والعدالة، بحيث يعوّض عن ذلك الفقدان أو الخسارة أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة”. ولكن الصهاينة لن يسمحوا أبدًا بتطبيق هذا الحل خصوصًا وهم اليوم في قمة سطوتهم وغطرستهم وتمدد احتلالهم.
وقد طرحت خلال مراحل متعددة من القضية حلول كثيرة لتنفيذ التعويض أو التوطين بدل العودة… وأنا أذكر أنني كنت صغيرًا حين كنت أقرأ على جدران بيروت والمخيمات شعار: “لا تعويض ولا توطين بدنا العودة لفلسطين”… ومع صعوبة واستحالة تطبيق حق العودة (خصوصًا اليوم) طرح الكثيرون ومرارًا فكرة تبادل الأراضي بين الجليل ومستوطنات الضفة الغربية بحيث تتحرر مناطق وقرى من الجليل تسمح بتنفيذ شكل ما من العودة (يعني ليس للجميع)، مقابل بقاء عدد من المستوطنات (قد يكون كبيرًا، وهذا بحسب ميزان القوى والتفاوض) في الضفة الغربية، ويكون لغير العائدين حق التعويض. هذا الطرح لا معنى له طبعًا إلا ضمن إطار تنفيذ حل الدولتين، هذا في حال النجاح في فرضه وهو ما صار أيضًا اليوم بعيد المنال.
أما الحديث عن ترحيل الغزاويين فأنت تعرف أن الفلسطينيين وكل الدول العربية ترفضه والمشروع المصري الذي اتفقت عليه قمة القاهرة قدم حلًا بديلًا… والترحيل لم (ولا) يمكن تنفيذه حتى اليوم برغم كل القتل والتدمير. ييقى أن الأمور مرهونة بالتطورات وموازين القوى وموقف الدول العربية.
-برأيك، ما هي هواجس الشيعة والدروز والمسيحيين من توطين الفلسطينيين؟ وهل لدى السنة هواجس ومخاوف أم على العكس هم مرحبون بالفكرة بفعل المشترك المذهبي بينهم وبين الفلسطينيين!
كل الطوائف عندها هواجس التغيير الديموغرافي في لبنان ومن هنا كان القول قديمًا أن التوطين يكون لصالح السنة بحيث يميل معهم الميزان الداخلي بشكل قوي. لكن التجربة الماضية خصوصًا بعد اتفاقية أوسلو وعودة قسم كبير من المقاتلين الفلسطينيين إلى الضفة والقطاع، وصولًا إلى طرح سعد الحريري شعار “لبنان أولًا” الذي يلتقي مع مواقف المسيحيين منذ تأسس الكيان اللبناني… وكان سبقه طرح الشهيد رفيق الحريري “أوقفنا العد”، وكذلك موقف المجلس الشيعي بنهائية الكيان منذ العام 1975 والذي تكرس في اتفاق الطائف وورد في مقدمة الدستور الجديد… كل ذلك يجعل من هواجس التوطين ماض لا يمضي بسهولة بل يحضر بقوة ويمسك بمفاصل ذاكرتنا وينفجر في عقولنا كلما واجهنا تحديات وأزمات هي لنا مصيرية. أضيف هنا: هل تظن أن المسلمين عمومًا، سنة وشيعة ودروز، لا بل وحتى الموارنة، كانوا سيرضون بتوطين وتجنيس الأرمن لو أنه جرى بعد الاستقلال وليس على يد الانتداب؟!
-برأيك، أليس هناك ديماغوجية والتفاف مسيحي حيال المطالبة من جهة ببناء الدولة وسحب السلاح الفلسطيني من المخيمات واحتكار السلاح لدى الدولة والجيش اللبناني، بينما في المقابل، لا يريدون تقديم أي حل للمسألة الفلسطينية في لبنان، مع معرفتهم بانتهاء صلاحية شعار حق العودة؟ ماذا تقول للمسيحيين في لبنان عن هذه المسألة؟ وهل تعتقد أن هذا الموقف المسيحي قابل للتعديل في ظل المتغيرات الإقليمية؟
هناك مطلب مسيحي وجوع تاريخي نحو الدولة التي يعتبرون أنفسهم بناتها وأصلها وفصلها منذ ابتدأ الكيان عام 1920، وبالتالي فقد كان ديدن المسيحيين طوال حقبات ومراحل الحروب اللبنانية، المطالبة بفصل لبنان عن التأثيرات العربية المحيطة خصوصًا الناصرية ثم الفلسطينية (والبعثية السورية أيضًا) وصولًا إلى القتال ضد محاولات تعريب لبنان سياسيًا مثل عام 1958 وحرب السنتين.
الحديث عن ترحيل الغزاويين فأنت تعرف أن الفلسطينيين وكل الدول العربية ترفضه والمشروع المصري الذي اتفقت عليه قمة القاهرة قدم حلًا بديلًا… والترحيل لم (ولا) يمكن تنفيذه حتى اليوم برغم كل القتل والتدمير.
لكن هذا لم يمنع من أن يكون خير المدافعين عن قضية فلسطين من المسيحيين مثل المطران جورج خضر والمطران غريغوار حداد الأب يواكيم مبارك والأب سليم غزال والأب مكرم قزح وغيرهم… لا بل كان ميشال شيحا أول وأبرز من حذر من الخطر الصهيوني على لبنان وتفاعل مع فلسطين… وشارك الرئيس بشارة الخوري وحميد فرنجيه في استقبال اللاجئين على الحدود… وحمل كميل شمعون في يوم من الأيام لقب فتى العروبة الأغر… وكان الرئيس شارل حلو أحد مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت… ووقف الرئيس سليمان فرنجيه في يوم من الأيام يلقي خطاب العرب في الأمم المتحدة… كما وقف المطران (بطريرك العرب) إلياس الرابع معوض يلقي خطاب الدول العربية في مؤتمر القمة الإسلامية بلاهور باكستان.
وحمل كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده نعش أول شهيد لبناني في حركة فتح خليل عز الدين الجمل في 27 نيسان 1968 وقرعت له الكحالة وغيرها من القرى والبلدات المسيحية الأجراس حين مرور موكب جنازته من دمشق إلى بيروت. والأمثلة لا تعد ولا تحصى…
إنما المهم هنا التأكيد على أن كل اللبنانيين وخصوصًا المسيحيين يريدون حق العودة ويعرفون أنه لا هم ولا كل الدول العربية يستطيعون فرضه في الظروف الراهنة. وليس مطلوبًا من المسيحيين تقديم حل للمسألة الفلسطينية، الأمر الذي عجزت عنه كل الدول العربية والإسلامية بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية.
أما في لبنان فلا مناص من التفاهم على شروط حفظ حق العودة الفلسطيني مع حفظ حقوق الفلسطينيين الأساسية في العيش بكرامة في لبنان. وما يزيد من صعوبة وتعقيد هذا التفاهم تعقيدات الوضع الدولي والعربي منذ الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، ثم سقوط نظام الأسد، إذ تجددت هواجس ومخاوف المسيحيين من أن يكون ثمة حل دولي وعربي على حساب استقلال وسيادة لبنان. لكن رأيي أن هذا مستبعد، لا بل مستحيل. ليس هناك من إمكانية لا عربية ولا دولية لفرض هكذا حل، وأعتقد أن على المسيحيين التكيف مع الوضع الجديد من خلال الالتفاف حول الدولة وحول الجيش والتمسك بالوحدة الوطنية وبالعلاقات القوية مع الأشقاء العرب من السعودية ودول الخليج إلى مصر إلى سورية الجديدة… هذا وحده يحمي المسيحيين.
-هل انتهت صلاحية شعار حق العودة حقًا؟ وهل تعتقد أن حزب الله استثمر في هذا الشعار لتبرير تسليح نفسه؟ وفي حال انتهت إمكانية حق العودة، فهل ترى أن حزب الله وحركة أمل والشيعة عمومًا باتوا أقرب لفكرة الموافقة على توطين الفلسطينيين في لبنان؟
برأيي لا ولن تنتهي صلاحية شعار حق العودة لأنه ليس أصلًا مجرد شعار بل هو حق تاريخي كرسته كل المواثيق والأعراف الدولية والإنسانية وقرارات الأمم المتحدة. نعم استثمر حزب الله كما غيره من قبل في هذا الشعار من أجل إبقاء سيطرة السلاح خصوصًا في المخيمات الفلسطينية. أما حركة أمل فهي قاتلت ضد الفلسطينيين في حرب المخيمات تحت عنوان منع تمدد السلاح وضبطه لإخراجه، ومنع التوطين.
وبالتالي فإن حركة أمل بتاريخها هذا لا يمكن أن تقبل بالتوطين. أما حزب الله وبعض الجماعات الإسلامية السنية فقد يقبلون بذلك ضمنيًا لكن من دون الجرأة على إعلانه علنًا بسبب حساسية الوضع اللبناني في الطائفتين الإسلاميتين اللتين دفعتا الأثمان الكبيرة في الموضوع الفلسطيني.
-هل ترى مبررًا للسلاح الفلسطيني في المخيمات؟ ألا تعتقد أن حزب الله استثمر أيضًأ في هذه الورقة؟ وما برأيك الحل؟ هل يمكن نزع سلاح الفلسطينيين من المخيمات دون تقديم بديل ومقابل لهم؟ كالحقوق المدنية مثل العمل والتعليم والطبابة وغيرها من الحقوق، بدون الحقوق السياسية.
منذ اندلاع انتفاضة الحجارة في ديسمبر 1987 ثم انتفاضة الأقصى في أيلول 2000، وقبلها اتفاق أوسلو 1993 وعودة المقاتلين والقيادات إلى الضفة والقطاع، فقد سلاح المخيمات مبرر وجوده وهذا ما عبرت عنه قرارات كثيرة أصدرتها أصلًا قيادة منظمة التحرير. لكن بقي هذا السلاح لعلة الاستفادة من وجوده من طرف حزب الله وحركات حماس والجهاد وغيرها خصوصًا الجبهة الشعبية القيادة العامة المرتبطة بالنظام السوري.
لكن مع ما جرى في غزة ولبنان منذ 7 أكتوبر 2023، خصوصًا اتفاقيات وقف إطلاق النار والتي تنص جميعها على سحب السلاح من كل لبنان أصلًا وبالتالي من المخيمات، وتسليم مهمة السلاح للجيش وحده، يمكن اليوم إعادة طرح الموضوع على أساس تقديم ضمانات للفلسطينيين. لكن التجربة الطويلة للفلسطينيين وللبنانيين مع العدو تفيد بعدم الاطمئنان إلى أي ضمانات دولية أو اتفاقيات موقعة.
من هنا فإن المطلوب الاتفاق مع القيادات الفلسطينية على تولي السلطات اللبنانية بمساعدة من الدول العربية حماية المخيمات وحدود لبنان وتقديم كل أشكال الدعم الاجتماعي لأهالي المخيمات من حقوقهم الأولية في الطبابة والتعليم والعمل وغيره… وهذا لا علاقة له أصلًا بأي شأن سياسي لأته لا يتضمن لا التجنيس ولا التوطين ولا حقوق الانتخاب والمشاركة السياسية.
حركة أمل بتاريخها هذا لا يمكن أن تقبل بالتوطين. أما حزب الله وبعض الجماعات الإسلامية السنية فقد يقبلون بذلك ضمنيًا لكن من دون الجرأة على إعلانه علنًا بسبب حساسية الوضع اللبناني في الطائفتين الإسلاميتين اللتين دفعتا الأثمان الكبيرة في الموضوع الفلسطيني
وقديمًا كان مطلب الفلسطينيين في المخيمات رفع الظلم وكف يد المخابرات عنهم وتمكينهم من الحياة الحرة الكريمة الشريفة لا أكثر ولا أقل. وعلى الرغم من أن هذا لم يتحقق إلا بانتفاضة عسكرية مسلحة أدت إلى استقلال المخيمات (تشرين الأول 1969) فإنه لا ولن يتحقق اليوم إلا بانتفاضة سياسية إنسانية مشتركة لبنانية فلسطينية تضع ميثاق عيش جديد وهذا طبعًا مرهون بتطورات الأحداث في غزة والمنطقة، وبنجاحات العهد الجديد في تحقيق الحد الأدنى من الإصلاح والسلم والاستقرار.
اقرأ أيضا: الحبيب صادق…

