لم يكن صباح الثالث عشر من حزيران 2025 صباحًا عاديًا في طهران. في تمام الساعة الرابعة فجرًا، اخترقت عشرات الطائرات الشبحية الإسرائيلية أجواء الجمهورية الإسلامية، في عملية وُصفت بأنها الأوسع منذ قصف مفاعل تموز العراقي عام 1981. أُطلقت عليها تسمية “الاسد الصاعد” وكانت ضربة استباقية مركزة ضد البنية النووية والعسكرية الإيرانية، شملت أهدافًا حساسة في عمق البلاد، ورافقها تنفيذ اغتيالات طالت كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين.
طالت الضربات الإسرائيلية مفاعل نطنز الرئيسي لتخصيب اليورانيوم، ومنشأة فوردو تحت الأرض قرب قم، والمجمع الصناعي في أصفهان الذي يُعتقد أنه مركز لتطوير أجهزة الطرد المركزي من الجيل التاسع. لم تقتصر الغارات على المواقع النووية، بل استهدفت أيضًا قاعدة نوژه الجوية غرب همدان، ومنظومة الرادار الاستراتيجي في “سباشي”، كما طال القصف معمل تصنيع صواريخ أرض-أرض في مجمع خرم آباد، وقواعد للحرس الثوري في سردشت وكرمانشاه. وفي قلب العاصمة، ضُربت مقار عسكرية في أحياء آزادي وفارمينيه، حيث كان يُعتقد أن بعض القادة يتحصنون، وسط استخدام المسيرات الانتحارية داخل المدن لتشويش الدفاعات الإيرانية.
المفاجأة لم تكن فقط في حجم العملية وتوقيتها، بل في دقة الضربات التي أطاحت برأس القيادة العسكرية. قُتل في الضربة اللواء محمد باقري، رئيس هيئة الأركان، واللواء حسين سلامي القائد العام للحرس الثوري، وقائد فيلق القدس الجنرال اسماعيل قاآني، إلى جانب اللواء أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوفضائية، والجنرال غلام علي رشيد، قائد مقر “خاتم الأنبياء”. كما سُجل مقتل العالم النووي محمد مهدي طهرانجي، والعالم فريدون عباسي، العضو السابق في منظمة الطاقة الذرية. وقد تجاوزت الحصيلة الرسمية تسعين قتيلًا، بينهم نحو عشرين من كبار الضباط والعلماء، وأكثر من 320 جريحًا، إضافة إلى أضرار هائلة في المنشآت التي ضُربت.
الرد الإيراني: صواريخ فوق تل أبيب
لم تنتظر طهران طويلًا للرد. ففي ساعات المساء، أطلقت إيران أكثر من 150 صاروخًا بالستيًا، من طرازات “قيام” و”سجيل”، إلى جانب موجات من الطائرات المسيّرة، في عملية أطلقت عليها اسم “الوعد الصادق ٣”. انطلقت الصواريخ من قواعد في كرمان وقم وأرومية، لتستهدف بشكل مباشر مطار بن غوريون في تل أبيب، وقاعدة بلماخيم الجوية، إضافة إلى منشآت في قلب تل أبيب كشارع روتشيلد، والمجمع الأمني في بيتح تيكفا، ومنطقة “كريات شاؤول” التي تضم مقرات استخباراتية. وقد سقط صاروخ في مرآب سيارات بحي يافا، متسببًا في انفجار خمس مركبات واندلاع حريق ضخم، كما أصيبت بناية سكنية بأضرار جزئية في شارع “ديرخ نميرتس”. على الرغم من نجاح القبة الحديدية والمنظومة الأميركية “باتريوت” في اعتراض أكثر من 85% من الصواريخ، إلا أن شظايا بعضها تسببت في إصابة 22 شخصًا، بينهم أربعة في حالة حرجة.
ترامب بين النار والدبلوماسية
وفي الوقت الذي كانت فيه الطائرات الحربية تحلق فوق المدن، برز موقف مفاجىء للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان وصف الضربات الجوية الصباحية على ايران بـ”المجزرة”، و دخل على خط الأزمة، كوسيط غير رسمي. أجرى اتصالًا مطولًا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تباحثا فيه إمكانية إطلاق مبادرة سياسية تهدف إلى وقف التصعيد الفوري وفتح باب التفاوض. كما اتصل الرئيس الاميركي بأمير قطر تميم بن حمد وشدد على ضرورة العمل على خفض التصعيد والتوصل إلى حلول دبلوماسية، وأكد ترامب لأمير قطر استعداد واشنطن للمشاركة في حل الأزمة حفاظا على أمن واستقرار الإقليم.
الشارع الإيراني بدا غاضبًا وموحدًا خلف قيادته، رغم الضربات. تظاهر الآلاف في ساحة آزادي، وخرجت تصريحات من مكتب المرشد الأعلى تؤكد أن “الرد لم يبدأ بعد”، بينما وضع الحرس الثوري وحداته في العراق وسوريا ولبنان واليمن في حالة تأهب قصوى. في المقابل، أظهرت إسرائيل ثقة عالية بنجاح عمليتها، مشيرة إلى أنها أعادت البرنامج النووي الإيراني سنوات إلى الوراء، و”قطعت رأس الأفعى” العسكرية، على حد وصف أحد كبار جنرالاتها.
لكن رغم الضجيج، لا يزال الغموض سيد الموقف. فهل كانت إسرائيل تهدف لضربة استباقية لفرض توازن ردع جديد، أم أن العملية تمهد لتصعيد أوسع؟ وهل تكتفي إيران بالرد الصاروخي، أم أنها ستلجأ إلى استخدام حلفائها في المنطقة لفتح جبهات جانبية وخصوصا حزب الله اللبناني؟
الأكيد أن الوضع دخل مرحلة حرجة، وأن المنطقة تقف اليوم على عتبة مفترق مصيري، لا تقل خطورته عن تلك اللحظة التي سبق فيها الاجتياح الأميركي للعراق. فإما أن تثمر الوساطة الدولية في نزع فتيل الانفجار، أو تنزلق المنطقة إلى فصل جديد من الحرب أكثر دموية، وأكثر تشظيًا.

