في توقيت بالغ الحساسية، وعلى وقع اشتباك سياسي داخلي متصاعد، وزيارات دبلوماسية مكثّفة، تقف بيروت مجددًا في عين العاصفة الإقليمية والدولية. من زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى التوتر الأميركي حول سلاح “حزب الله”، مرورًا بحراك مالي داخلي يقوده الحاكم الجديد لمصرف لبنان، تتداخل ملفات السيادة والسلاح والسيولة، في مشهد لا يخلو من الرسائل المتبادلة والرهانات المتناقضة.
زيارة إيرانية صامتة… و”حزب الله” يضغط
يصل وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت مساء اليوم، في زيارة ذات طابع سياسي ثقيل ولكن بصمتٍ مدروس. إذ يكتفي برنامجه بلقاء صباحي مع نظيره اللبناني يوسف رجي، من دون عقد مؤتمر صحافي مشترك، ما يفتح باب التأويل حول مضمون الرسائل التي يحملها، خصوصًا في ضوء التوتر المستجد بين رئاسة الحكومة و”حزب الله”.
وفي هذا السياق، تتحدث أوساط سياسية عن تصعيد من الحزب ضد الرئيس سلام والوزير رجي، في محاولة واضحة لتأليب المواقف داخل السلطة، لا سيما أن سلام يشدد على مبدأ حصرية قرار الحرب والسلاح بيد الدولة اللبنانية، وهو ما تعتبره بيئة “حزب الله” ضربًا لمعادلة السلاح المقاوم، بل وتصفه بـ”الهزيمة الثانية”.
وتتزايد المؤشرات على أن حملة الحزب تأتي على خلفية الشكوك بقدرة الحكومة على نزع السلاح الفلسطيني من المخيمات، وهو الملف الذي قد يدخل مرحلة التنفيذ منتصف هذا الشهر، ما دفع مصادر مطلعة إلى ترجيح أن يحمل الوزير الإيراني رسالة تهدئة للحزب، تطلب منه إبداء ليونة في مفاوضاته مع الحكومة.
ويبدو أن طهران لا تريد أي انفجار داخلي في لبنان يعكر صفو اللحظة الإقليمية الحساسة، خصوصًا في ظل قرب التوصل إلى اتفاق بخصوص الملف النووي الإيراني، وتقدم المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار في غزة.
لا استثمار بلا نزع سلاح “حزب الله”
في المقابل، تتخذ واشنطن موقفًا أكثر وضوحًا وحدّة. فمع توارد معلومات عن إعفاء الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس من مهامها في لبنان، أكدت مصادر دبلوماسية أن نشاطها لا يزال قائمًا، وربما تكون زيارتها المقبلة بمثابة وداعية.
إلا أن الأهم في هذا السياق هو إصرار أورتاغوس على الحصول على أجوبة واضحة ومكتوبة من الدولة اللبنانية حول جدول زمني لنزع سلاح “حزب الله”، وإلا فإن واشنطن تعتبر أن لبنان غير مهتم بالشراكة، ولا بعودة الاستثمارات الدولية إليه.
وتكشف المصادر عن انسجام تام بين الموقفين الأميركي والسعودي تجاه الملف اللبناني، مع تواصل يومي على أعلى المستويات، في مشهد يرفع منسوب الضغط السياسي على بيروت، ويعيد رسم خريطة النفوذ والتأثير داخل المشهد اللبناني.
القطاع المصرفي يتنفس
على خط موازٍ، سُجل تطور لافت في الملف المالي، تمثل في الاجتماع الأخير بين حاكم مصرف لبنان الجديد كريم سعيد وجمعية المصارف، والذي وصفته مصادر مصرفية بأنه كان “إيجابيًا وصريحًا”، مع وعود واضحة بإعادة هيكلة العلاقة بين المصرف المركزي والمصارف التجارية وفق أسس “تجارية لا سلطوية”.
وفي تطمين للمودعين، كشف الحاكم عن مشروع مشترك مع الحكومة لإعادة الودائع تدريجيًا، يبدأ بالمبالغ التي تقل عن 100 ألف دولار، فيما تتم جدولة ما فوقها على مراحل. وقد شدد على أن الأزمة هي نظامية وليست فردية، وأن المعالجة ستكون شاملة عبر خطة متكاملة يُعمل عليها بالتعاون مع شركة استشارية أميركية.
وأثنى الحاكم على إقرار السرية المصرفية، معتبرًا أنها لم تعد مطلوبة في العالم الحديث، وأن لا عائق لدى المصارف اللبنانية من التخلي عنها. كما يجري العمل على مراجعة قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي في المجلس النيابي، وسط ملاحظات تقنية تحاول تصحيح ثغرات قانونية مثل تضارب الأدوار في لجان الرقابة والتصفية.
رسائل نارية إلى موسكو
وفي المشهد الدولي، برزت العملية التي نفذتها أوكرانيا ضد أهداف عسكرية في العمق الروسي، كأخطر رسالة توجهها كييف منذ اندلاع الحرب. العملية التي طالت طائرات وقاذفات على بعد آلاف الكيلومترات عن الجبهة، تُقرأ كتحول نوعي قد يكون مرتبطًا بمفاوضات دولية حساسة.
ويرى خبراء أن هذا التصعيد يشبه ما كانت تتعرض له إيران من عمليات أمنية وعسكرية على أراضيها خلال فترات التفاوض النووي، ما يعزز الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أو حلف “الناتو” يرسلان إشارات ضغط لفرض تنازلات على طاولة الحوار.
غير أن التقديرات تشير إلى أن موسكو، رغم الخسارة الرمزية، لن تخرج عن إطار التفاوض، بل سترد عبر الميدان الأوكراني من دون نسف المسار الدبلوماسي، خصوصًا أن الرئيس بوتين لا يزال يراهن على إدارة الوقت لمراكمة أوراق القوة، على عكس المنهج الأميركي المستعجل لتحقيق نتائج سريعة.
اقرا ايضا: «عراقجي» يزور بيروت الليلة..وسيجتمع بـ«رجّي»..

