العهد الجديد وترف السياسة

ثمة مفارقة يعيشها لبنان منذ التاسع من كانون الثاني ٢٠٢٥، أي يوم انتخاب الرئيس جوزاف عون وبداية عهد جديد، لا سيما ما ورد في خطاب القسم، والذي شكل علامة فارقة عمّا سبقه، ومن ثم تكليف رئيس حكومة جديد، وقد اعتُبر ذلك مؤشراً إيجابياً إلى إمكانية قيامة لبنان جديد مختلف عن سابقه، لأن الرجلين، رئيس الجمهورية والحكومة، أتيا من خارج المنظومة الحاكمة ورجالاتها.

لكن، وبعد مرور ما يزيد عن خمسة أشهر، تفاجأ اللبنانيون بأن بعض التغييرات في الشكل قد حدثت، لكن الجوهر، وخصوصاً في ممارسة الحكم، بقي على حاله.

بقاء المحاصصة

فتشكيل الحكومة تغيّرت فيه بعض الشكليات، كأن لا يكون الوزراء حزبيين ملتزمين، لكن المحاصصة بقيت على حالها، حتى غدت الحكومة نسخة مصغرة عن المجلس النيابي، عدا عن فشل رئيس الحكومة، ومعه رئيس الجمهورية، في فرض أي وزير من خارج القوى السياسية التي تغتصب إرادة الناس وتحتكر تمثيلهم بالترهيب والترغيب.ولم يتوقف ذلك على الحكومة، بل تعدّاه إلى العديد من الممارسات.

فالتعيينات للمراكز الشاغرة، وبالرغم مما قيل عن آلية تعيين وما يرافقها من خطوات، سقطت في آتون المحاصصات الطائفية والحزبية، ولم تختلف عمّا قبل سوى في بعض الشكليات فقط.

أما في الإصلاح والاقتصاد، فبقيت الأمور على حالها؛ فمثلاً القوانين الإصلاحية، وإن استثنينا قانون السرية المصرفية، والذي مرّ سريعاً لضرورات وجود وفد وزاري واقتصادي مالي مشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، فإن باقي القوانين الإصلاحية في الوضع المالي والاقتصادي لا تزال تدور في حلقة مفرغة دون نتائج فعلية تُذكر.

أما في إصلاح الوضع النقدي والمالي، فبقيت الممارسة السابقة ذاتها؛ فمثلاً، ضرورة زيادة رواتب العسكريين، سواء في الخدمة الفعلية أو المتقاعدين منهم، مرّت في ذات الممارسة التي كانت معتمدة سابقاً، فاستسهلت الحكومة فرض ضريبة على المحروقات السائلة من بنزين ومازوت، وما لها من تأثير على باقي القطاعات، دون دراسة منطقية موضوعية، فقط لإيجاد دخل جديد يعوض المبالغ المطلوبة، دون العمل على تفعيل الجبايات من الجمارك وغيرها من ضرائب يُجري التهرب منها على عين الحكومة وأجهزتها.هذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن كل ما نسمعه من جعجعة لا يُغني ولا يُسمن من جوع.

فالتغيير ظاهرياً موجود في الشكل، بينما الأداء هو ذاته: محاصصات طائفية ومذهبية وحزبية، والمتنفذون لا زالوا في مواقعهم دون أن يتزحزحوا قيد أُنملة، بينما العهد وحكومته يخضعون ويتراجعون.

التعيينات للمراكز الشاغرة، وبالرغم مما قيل عن آلية تعيين وما يرافقها من خطوات، سقطت في آتون المحاصصات الطائفية والحزبية، ولم تختلف عمّا قبل سوى في بعض الشكليات فقط.

معضلة السلاح

أما فيما خصّ حصرية السلاح بيد الدولة، فنسمع خطابات وتصريحات وأقوالاً كثيرة، بينما لا زال الأمر على حاله، فالسلاح منتشر على كامل مساحة الوطن؛ ففي الجنوب، وعلى الرغم مما حققه الجيش اللبناني من مهام، بقي حزب الله يمسك بالأرض بعد أن أعاد استعمال وسيلة الأهالي في منع القوات الأممية من حرية الحركة ودخول بعض الأماكن، متحججاً بعدم وجود دوريات مرافقة من قبل الجيش اللبناني، وهذا يدل على استعادة الحزب بعضاً من زمام المبادرة في الجنوب، وهذا ما يُعطي قوات العدو مبرر عدم الانسحاب من النقاط الخمس وعمليات الاغتيال التي يقوم بها يومياً.

المطلوب من العهد وحكومته الحزم والحسم في قضايا استراتيجية تخص الوطن والشعب، خصوصاً فيما خصّ الإصلاح وحصرية السلاح، لأن العهد وحكومته لا يملكان ترف الوقت، والذي بدأ ينفد، خصوصاً فيما نراه من انتقال اهتمام الدول العربية والغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى سوريا، وتلاشي الاهتمام بلبنان. هذا الأمر يجب أن يدفع العهد وحكومته إلى الإسراع في العمل والقيام بالمهام المطلوبة، وتغيير أدوات وأساليب العمل، وفق ما تقتضيه مصلحة الوطن والشعب.

اقرأ أيضا: نواف سلام في مواجهة «المنظومة»: رجل دولة في زمن «دولة المحاصصة»..

السابق
لبنان ينتظر زيارة عراقجي.. والمصرف المركزي يرسم خريطة طريق للودائع
التالي
لبنان يُحرّك عجلة الإصلاح المالي: تقدم في مفاوضات صندوق النقد وخطوات أوروبية داعمة