معضلة الشيعة في لبنان (2): بين الخراب ووهم القوّة !

جنوب لبنان
في الجزء الثاني من مقاله، يدخل د. علي شعيب في صلب المعضلة الشيعية اللبنانية، ومحاولة الثنائية انكار الهزيمة التي حلت بالمحور الايراني، مبيّنا ان لا خلاص للطائفة الا بالتخلي عن اوهام القوة وشعارات الممانعة والدخول في مشروع الدولة.

في لبنان، عززت القوى السياسية السنية والمارونية، المدعومة من المملكة العربية السعودية سلطتها مما أدى إلى كسر سطوة حزب الله الأمنية الطويلة على لبنان، كما علت أصوات اللبنانيين، ومن كافة الإتجاهات، مطالبة بنزع سلاح الثنائي الشيعي المتمثل بحزب الله وحركة أمل – الفصيلين اللبنانيين الوحيديين المدججين بأسلحة متوسطة وثقيلة، ومجاميع مقاتلة تتقاضى رواتب شهرية ومهام وبنية عسكرية وأمنية خاصة.

خسارة محور إيران

ومع كل تلك التغيرات الجيوسياسية الكبيرة والعميقة والشاملة في المنطقة والخسارة الكبيرة التي مني به المحور الإيراني، لا تزال القيادة السياسية الشيعية في لبنان، المتمثلة برئيس مجلس النواب نبيه بري، عالقة في دوامة وهم القوة والسلطة والزبائنية السياسية ولعبة المحاصصة الطائفية.

لقد أدى سوء تقدير حزب الله الكارثي – بالتضحية بأرواح اللبنانيين وسيادتهم من أجل طموحات إيران – إلى دمار المناطق ذات الأغلبية الشيعية في جنوب لبنان، وفي البقاع والهرمل، والضاحية الجنوبية في بيروت، ولا يزال أكثر من 300 ألف مدني شيعي مشردين، وقد دُمّرت منازلهم بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية العنيفة غير المسبوقة في تاريخ الصراعات العربية-الإسرائيلية، ومع ذلك، يُصرّ حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه، مُصوّرًا المقاومة كواجب مقدس.

لكن، يبدو ان ما تبقى من قيادة واهنة لحزب الله لم تعِ بعد أن هذا الخطاب قد أضحى سخيفا وفارغًا من أي مضمونه لدى العديد من المواطنين الشيعة، الذين يُحمّلون اليوم الحزب مسؤولية التسبب في كل هذا الدمار الكبير والغير مسبوق، وعدم قدرته على الإيفاء بوعود إعاد إعمار ما تهدم، والتعويض الفعلي عن فعلته السيئة والمجرمة التي يجب أن يُعاقب عليها حين يسمح الوقت والظرف بفعل ذلك.

أدى سوء تقدير حزب الله الكارثي – بالتضحية بأرواح اللبنانيين وسيادتهم من أجل طموحات إيران – إلى دمار المناطق ذات الأغلبية الشيعية في جنوب لبنان، وفي البقاع والهرمل، والضاحية الجنوبية في بيروت

ينبع الشلل السياسي للمجتمع الشيعي اليوم من مزيج من الشعور بالهزيمة، وبقصر النظر السياسي والإستراتيجي لطائفة لعبت أدورا تاريخية مهمة في المنطقة العربية، لتجد نفسها اليوم في مهب رياح التغيرات الإقليمية والدولية، ووضع كل بيضها في سلة حزب عقائدي فاشي ومتغوّل.

لقد جعلت عقود من التهميش التاريخي للشيعة من قِبَل النخب السنية والمسيحية في لبنان مشروع حزب الله الإستقوائي والإستعلائي مُغريًا ومدغدغا لمشاعرها، لكن استتباع حزب الله الكليّ لإيران ولأجندتها الإقليمية الإرهابية، حوّل الهوية الشيعية إلى سلاح جيوسياسي، يُنفّر الطوائف الأخرى ويستجلب التدخل الخارجي.

خيار الشيعة الصعب

يواجه شيعة لبنان خيارًات صعبًة، لكن إن تم العمل به بسرعة ودقة ستكون جيّدة لهم على المديين المتوسط والطويل. فإما تعزيز تحالفهم الذي أثبت فشله مع إيران، أو إعادة صياغة دورهم في نظام إقليمي جديد يقوده السنّة، وفك ارتباطهم بتلك الجهة الإرهابية التي لم تجلب لهم سوى الحروب والدمار والمآسي.

في المحصلة النهائية هناك أربعة أشياء يجب على القيادة الشيعية الحالية أن تقوم بفعلها بسرعة وبجديّة، بعيدا عن منطق الإستعلاء والمكابرة  ومحاولاتها التاريخية الحثيثة لاحتكارالقرار والتمثيل الشيعي عبر التنكيل بالمعارضين الشيعة المستقلين وتخوينهم والنيل منهم بشتى الوسائل المتاحة:

أولا، الاعتراف العلني والصادق بتراجع النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا. فلم يعد بإمكان طهران حماية وكلائها الإقليمين وضخّهم بعناصر القوة اللازمة لاستدامة تفوقهم العسكري والإقتصادي، وبالتالي إحكام قبضتهم على مفاصل السلطة في البلدين الشقيقين.

ثانيا، تسليم السلاح فورا إلى الدولة اللبنانية. فأسلحة حزب الله وحركة أمل، التي كانت في يوم من الأيام رمزًا للقوة والتحكم بالإخرين وأداة لتهديد اللبنانيين والسوريين، أصبحت الآن عبئًا عليهم وعلى مجتمعاتهم، ولم تعد ذات جدوى تذكر بعد ما فعلته آلة القتل الإسرائيلية بهم. وقد يؤدي تسليم الترسانات العسكرية الضخمة تلك إلى تقوية السلطات الشرعية اللبنانية وفتح الباب أمام المساعدات الدولية والعربية للإعادة الإعمار والإنتقال من وواقع مزري ومهين، إلى مستقبل واعد يسوده الأمن والإستقرار والدفاع عن لبنان من خلال العمل الدبلوماسي والقضائي الدولي ككل دول العالم التي تعاني من احتلالات وخروقات لأراضيها.

ثالثا، إعادة بناء جسور الثقة مع أخوانهم في لبنان وسوريا من سنّة ومسيحيين وآخرين من الذين قام الثنائي الشيعي بإيذائهم وإهانتهم واستباحة مناطقهم والإستقواء عليهم بواسطة السلاح والمال الإيرانيين. فما نشاهده اليوم من عمليات إنتقامية ذات طابع طائفي في الساحل السوري هو “بروفة” أو درس لما قد يحصل في لبنان لأبناء الطائفة الشيعية إن استمرت قيادتهم السياسية في غيّها ورفضها تسليم السلاح ووقف تدخلها في الشأن السوري.

شيعة لبنان، مثل العلويين في سوريا، شركاء في إعادة ترتيب أوراقهم، مأساتهم ليست حتمية، لكن النجاة منها يتطلب التخلص من أسطورة الضحية ومن “الدولة المركزية” ضعيفة

رابعا، القبول بأن التنوع السياسي وتعدده داخل الطائفة الشيعية، هو عنصر قوة، وليس مسمارا يريد الأعداء دقه في نعش الثنائية الشيعية التي تحكمت بالمجتمع الشيعي اللبناني لعقود مضت. فالنخب الشيعية الحقيقة التي يُعّول عليها هي تلك التي رفضت السير في ركاب المشروع الإيراني-الإسدي الذي أدى إلى ما هي فيه الطائفة من آلام وهزائم وانكسار. فالمستقلون الشيعة هم أبناء بيئتكم، وهم أهلكم وأقرباؤكم وجيرانكم وليسوا أعداء لكم، على العكس تماما، المعارضون الشيعة هم مع تقوية الدولة اللبنانية وأجهزتها الشرعية  وضربها بيد من حديد كل من تسوّل له نفسه التعدي على الآخرين وإيذاء السلم الأهلي والإمعان في استدامة وتقوية المنظومة الزبائنية التي حكمت العمل السياسي في لبنان، وحدت بأبنائه وبناته على التسكع على أبواب السفارات الأجنبية وعلى مداخل قصورالإقطاعيين الجدد من “زعامات” الطائفة المزعومين.

اقرأ أيضا: معضلة الشيعة في لبنان (1): التشبث بإيران الخاسرة في شرق أوسط متغيّر

الخلاصة: هذا هو الشرق الأوسط  الجديد

إن رد الفعل الفاتر من المجتمع الدولي على مجازر العلويين في سوريا يُبرز حقيقةً قاسية: في هذا الشرق الأوسط الجديد، ستُهمَل الأقليات التي تتمسك بالحلول العسكرية والأمنية القمعية، وبالإستبداد وبإقصاء الآخرين. أما بالنسبة للشيعة في لبنان، فقد ولّى زمن الأوهام القاتلة. يتوقف اليوم مستقبل الطائفة الشيعية على قدرتها على استبدال حفلات الزجل الزائفة عن المقاومة والممانعة وتحرير القدس، بإجراء مراجعة نقدية صادقة تتبعها بإجراءات فورية وحاسمة للتغيير الشامل والحقيقي، فها نحن نرى بأم أعيننا كيف يتم إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط، حيث تُملي القوى السنية – بدعم من الولايات المتحدة والدول العربية وتركيا – شروطها.

شيعة لبنان، مثل العلويين في سوريا، شركاء في إعادة ترتيب أوراقهم، مأساتهم ليست حتمية، لكن النجاة منها يتطلب التخلص من أسطورة الضحية ومن “الدولة المركزية” ضعيفة، وتبني البراغماتية السياسية وليس التقيّة.

بديل ذلك هو التهميش – أو الأسوأ من ذلك، الفناء الجماعي، سياسيا واجتماعيا.

السابق
43 دولة مستهدفة بحظر أو تقييد السفر إلى أميركا
التالي
ماذا وراء الدعاوى والإخبارات بحق إعلاميين ووسائل إعلامية؟