معضلة الشيعة في لبنان (1): التشبث بإيران الخاسرة في شرق أوسط متغيّر

في جزء الأول من هذا المقال يستعرض د. علي شعيب المتغيرات التي حصلت في الواقع الشيعي اللبناني بعد الانقلاب الإقليمي الذي حصل في المنطقة والذي حصر النفوذ الإيراني ومكّن المعسكر الغربي بقيادة أميركا وإسرائيل بالسيطرة على سوريا وضرب حماس وحزب الله.

يشهد الشرق الأوسط إعادة ترتيب جيوسياسي جذري، تم وضع الأقليات العرقية والدينية فيه، العلويين والشيعة بشكل خاص، عند مفترق طرق. لقد كشف انهيار “محور المقاومة” الإيراني – الذي اتسم بسقوط نظام الأسد في سوريا، وإبادة قيادتي حماس وحزب الله، والمكاسب الإقليمية غير المسبوقة التي حققتها إسرائيل – عن عبث الرهان على الإعتماد القاتل على الهيمنة الإيرانية في المنطقة.

ومع ذلك، يتمسك الشيعة في لبنان، بقيادة حزب الله المُنهك لكن المتمرد، بتحالفاتهم القديمة وبترسانتهم العسكرية ومنظومتهم الأمنية التي سمحت لهم بإقامة دولة داخل الدولة أعتطهم إمتيازات في الداخل اللبناني لم يحصل عليها أي فصيل طائفي من قبل.

حتى في ظل دمار منازلهم ومقتل أبنائهم واستشهاد زعيمهم حسن نصر الله، ومع كل المتغيرات الجيوسياسية العميقة والسريعة، لا يزال جمهور بيئة الحزب من شيعة لبنان، متمسكون بوهم القوة والصلابة والمناعة ورفع الإصبع في وجه شركائهم في الوطن. فرفضهم التكيف مع كل المتغيرات الدولية والإقليمية والداخلية يُهدد بترسيخ عزلتهم، في ظل نظام شرق أوسطي جديد لم تعد ترسمه وتتحكم بمفاصله إيران، بل القوى السنية الجديدة الصاعدة المدعومة من الدول العربية وأميركا والغرب ومطرقتهم الصلبة إسرائيل

سقوط الأوهام

لعقود مضت، دعمت السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط تمكين الأقليات العرقية والدينية مثل الكورد والشيعة والعلويين، واحتواء الأغلبية العربية السنية – أو ما يعرف بالمحيط العربي السنّي – والضغط على الأنظمة العربية السنّية لمهادنة إيران المجنونة والمتوحشة.

مشروع الممانعة ارتكز على وهمين: أن نفوذ إيران الإقليمي لا يُقهر، وأن الأقليات الشيعية قادرة على الهيمنة على الأغلبية السنية، وقد تبدّد كلا الوهمين اليوم

وقد منح غزو إدارة بوش الكارثي للعراق طهران، عن قصد أو غير قصد، نصرًا استراتيجيًا، مما مكّن وكلاءها في المنطقة من الهيمنة الكاملة والشاملة على العراق وسوريا ولبنان واليمن. وأصبح حزب الله، المسلّح والمموّل من إيران، دولة داخل الدولة في لبنان، مستغلًا ترسانته العسكرية وتغلغله الأمني في مفاصل أجهزة الدولة اللبنيانية وخطابه المذهبي العقائدي ليُقدم نفسه “مدافعًا” عن مصالح الشيعة ليس فقط في لبنان وإنما في أي مكان يتواجد فيه شيعة “مهمشون.”

لكن هذا المشروع ارتكز على وهمين: أن نفوذ إيران الإقليمي لا يُقهر، وأن الأقليات الشيعية قادرة على الهيمنة على الأغلبية السنية، إلى أجل غير مسمى.

لقد تبدّد كلا الوهمين اليوم وبتنا في مكان آخر تماما. فهجوم حماس في 7 تشرين الأول 2023 – وقرار حزب الله الكارثي بفتح “جبهة إسناد وإشغال” مع إسرائيل – بمثابة المحفز لسحقه وقتل قياداته، مما سمح بإحداث تغييرات استراتيجية في المنطقة ككل. فقد أدت الحملة الانتقامية الإسرائيلية، المدعومة من الإدارة الأميركية، والحريصة على تفكيك الشبكات الإيرانية في المنطقة، إلى تدمير البنية التحتية لحزب الله، وقتل قيادات الصف الأول، وعلى رأسهم أمينهم العام التاريخي الجندي لدى الولي الفقيه حسن نصر الله، والتي كشفت عن ضعف تلك الجماعة التي كانت تتباهى بكل صلف بقوتها وصلابتها وقدرتها حتى على احتلال مناطق واسعة من إسرائيل.

في غضون ذلك، أدى الانهيار السريع للنظام الأسدي على يد قوات أحمد الشرع (الجولاني سابقا) – المدعوم من تركيا وأميركا ودول الخليج العربي – إلى حرمان إيران من جسرها البري إلى لبنان والذي يحتاجه حزب الله للتزود اللوجستي والعسكري والمالي.

لقد كانت الرسالة واضحة: لم يعد أي من حلفاء طهران في المنطقة بمنأى عن السكين، الأميركي المشحوذ في تل أبيب والمزخرف في تركيا، والمدفوع ثمنه من الدول العربية.

 التحول الأمريكي واستنهاض الأغلبية السنّية

كان لتخلي الولايات المتحدة عن استراتيجيتها السابقة “الأقليات أولاً” وقع الصاعقة على بلدان الشرق الأوسط، الغارقة في أتون النزاعات العرقية والطائفية والمذهبية.

 ويشير اليوم دعم واشنطن الضمني لجهود تركيا والمملكة العربية السعودية، لتنصيب حكومات قوية بقيادة سنية في دمشق وبيروت، إلى الإعتراف الضمني بفشل خطة بوش الإبن بعيد هجوم الحادي من سبتمبر لضرب الإسلام السنّي في العالم عبر تقوية الحضورين الشيعي والعلوي، ودعم الإقليات الكوردية والمسيحية والدرزية، المناهضة تاريخيا لحكم لإسلام السنّي.

يشير اليوم دعم واشنطن الضمني لجهود تركيا والمملكة العربية السعودية، لتنصيب حكومات قوية بقيادة سنية في دمشق وبيروت، إلى الإعتراف الضمني بفشل خطة بوش لضرب الإسلام السنّي في العالم عبر تقوية الحضورين الشيعي والعلوي

بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول على مستوطنات غلاف غزة، ووقوف الغرب صفا واحدا وراء إسرائيل وحكومتها الفاشية المتطرفة، أضحى وكلاء إيران، الذين كانوا يُنظر إليهم في السابق على أنهم حلفاء محتملون، عبئًا على دول المركز وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

 فهؤلاء هم من كانوا قد غضوا الطرف في الماضي القريب عن التصرفات الإيرانية في البلاد العربية، وساعدوها بشكل غير مباشر على ترسيخ وجودها في الداخل العربي، وتصعيد حروبها الصوتية مع إسرائيل، واستباحها دماء المكونات الشيعية العربية، لتكون أداة استراتيجية لها خلال مناوراتها التفاوضية مع الغرب والولايات المتحدة الإميركية.

أما اليوم، وبعد استلام الرئيس دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، يشير الخط البياني للصراع في منطقة الشرق الأوسط إلى انحسار النفوذ الإيراني بشكل تصاعدي وسريع، مما يعكس الرهان الجديد للولايات المتحدة وحلفاؤها على القوى السنية لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وكسر شوكة إيران، واحتواء نفوذ الصين المتنامي.

اقرأ ايضا: 10 معوقات تمنع حزب الله من العودة إلى الحرب.. إعادة الإعمار أو إعادة الدمار؟!

ففي سوريا، تسبب تنصيب أحمد الشرع – وهو قيادي إسلامي سني متطرف متحالف مع تركيا- بخلط كبير للأوراق في سوريا ولبنان. فالعلويون تحت قيادة آل الأسد المجرمون، الذين اضطهدوا الأغلبية السنّية على مدى أكثر من خمسة عقود ونكلوا بها شرّ تنكيل وحرموها من أي مشاركة فعلية في السلطة، يواجهون حاليا أعمالًا انتقامية، قد ترقى إلى جرائم حرب، حيث تُحاصر جيوبهم الساحلية من قبل الجيش السوري الجديد الذي لا زال يحاول قمع تمرد فلول النظام الأسدي البائد مدعوما بعناصر عسكرية يُشاع أنها تابعة لحزب الله وإيران كانت قد تسللت قبل الإحداث الدامية تلك من لبنان نحو حمص باتجاه الساحل السوري.

السابق
طقس مستقر والحرارة فوق معدلاتها الموسمية.. متى تعود الأمطار؟
التالي
لأول مرة على الإطلاق.. الذهب يكسر حاجز 3000 دولار للأونصة