هل يتغيَّر «حزب الله»؟!

ياسين شبلي

بعيداً عن السخرية، التي ووجهت بها على وسائل التواصل الإجتماعي، قضية حجز الناشطتين في دعوى التحريض، التي رفعتها ضدهما قناة الـ mtv، لحين توقيعهما على تعهد بعدم التعرض ثانية للمحطة بالتحريض، مع تأكيد حقهما بالإنتقاد، وما صاحبها من حراك قامت به مجموعات منظمة من دراويش “محور صيدنايا” على طريقة “يا غيرة الدين” وهو ما جعل من الأمر فعلاً مسخرة، إلا أن الحدث بحد ذاته الذي جاء على خلفية الحرب الأخيرة، التي أسفرت عن هزيمة واضحة لـ”حزب الله” والمحور الإيراني وبالتالي لبنان، بعد أن إستجدينا وقف إطلاق النار، وقَبِلنا بما فرضه علينا العدو عبر الوسيط الأميركي “المدلل” آموس هوكشتاين، وهو ما يُترجَم بصورة واضحة بممارسات العدو الوقحة، والمذلة في الجنوب يومياً، نقول بأن الحدث أظهر ما كان الكثير منا يتخوف منه، وهو أن “حزب الله” وأتباعه، قد يرتدون كما في العام 2006 إلى الداخل اللبناني، مع إختلاف الظروف والمعطيات، وبغض النظر عن مدى إستطاعة هذا الفريق اليوم، تنفيذ ما يفكر به، خاصة مع سقوط نظام الطاغية في دمشق، بما يعنيه من إنهيار متواصل، قد يصل حد إنتهاء مفاعيل هذا المحور، الذي بتنا نُعرِّفه بمحور “صيدنايا”، نسبةً للمعتقل الرهيب في سوريا، الذي جنَّد هذا المحور كل قواه، للدفاع عن نظامها في مواجهة شعبه، بحيث دفعنا نحن في لبنان كوطن وكطائفة شيعية، ثمناً غالياً من أرواح شبابنا وأمننا وإستقرارنا وإقتصادنا، الذي إنهار قبل إنهيار هذا النظام المجرم.

دفعنا نحن في لبنان كوطن وكطائفة شيعية، ثمناً غالياً من أرواح شبابنا وأمننا وإستقرارنا

كما أظهر هذا “الحدث”، الأقل من عادي في بلد كلبنان، والذي سبقه الكثير من الأحداث المماثلة على الضفة الأخرى المعارضة، التي لطالما تعرضت للإحتجاز والترهيب من نفس هؤلاء الأشخاص المحتجين اليوم، أظهر بأن هؤلاء الناس بما أبدوه من ردة فعل وممارسات، إستعادت شعارات إستفزازاية وطائفية، كالشعار الشهير “شيعة شيعة” وشعار “هيهات منا الذلة”، وهي شعارات لا علاقة لها بالموضوع المطروح أصلاً، إلا إذا كان المقصود بأن المحطة المدَّعية هي مسيحية الطابع، إنما يعيشون مأزقاً، ولذلك قد تكون هذه الشعارات تخفي شعوراً داخلياً بالضعف، أو شعور بمحاولة إستضعاف على خلفية الحرب الأخيرة، ولذلك تُعتبَر ردة الفعل هنا دفاعية، أكثر منها هجومية ربما.

من ناحية أخرى، يمكن أن يكون هذا السلوك ناجماً – وهنا الأخطر – عن أنهم لم يتعلموا من التطورات الأخيرة شيئاً، وبأنه لا يخالجهم أي ذرة من ندم، على ما ألحقوه ببيئتهم أولاً من نكبة ودمار، وبوطنهم ثانياً من خسائر وإذلال، وبأنه لا يساورهم أي خجل بعد النكبات التي تعرضوا لها تنظيمياً، وهي نكبات أظهرتهم بمظهر المخدوع في أفضل الحالات، والكاذب والمضلِّل في أسوئها، نتيجة ما كانوا يتباهون ويوهمون الناس به، من أوهام وأحلام يقظة، تارة بالقدرة على دخول الجليل، وأخرى بضرب عمق تل أبيب وتعريضها لخطر الزوال، وغيرها من العنتريات التي ظهر زيفها وسذاجتها، ولا حاجة لنا لتعداد هذه الوسائل من تقنيات تصويرية عبر “طيور” في السماء، وأنفاق ما “أنزل الله بها من سلطان” في أعماق الأرض.

يمكن أن يكون هذا السلوك ناجماً – وهنا الأخطر – عن أنهم لم يتعلموا من التطورات الأخيرة شيئاً، وبأنه لا يخالجهم أي ذرة من ندم، على ما ألحقوه ببيئتهم أولاً من نكبة ودمار

ومن أخطر ما قيل وكُتب في هذا المجال، ما نشره على حسابه على منصة إكس، واحد من “أيقونات” هذا المحور ونشطائه من أن “بعدها صرمايتنا بتحكم”، وهي لغة وإن كانت ليست غريبة على خطابهم، إلا أنها اليوم باتت أخطر، ليس لإمكانية تحقيقها على الأرض، وهو أمر بات صعباً نسبياً مع تغير الظروف والمعطيات، بل بما تعنيه من مكابرة وإنفصال عن الواقع، مع ما يحمله هذا الأمر من دلالات، بأن المراهنة على ضرورة وجود مناخ للمراجعة، وإعادة النظر وأخذ العبر من الممارسات والسياسات، التي أدت إلى النكبة التي نعيشها اليوم، هو أمر خارج الحسابات والوقائع، إلا إذا كان البعض يعتبر بأنه من المبكر الحديث عن هذا الأمر، وأن هذه الممارسات الشنيعة المتجددة، ناجمة عن التخبط الذي لا يزال يعاني منه “حزب الله” وقيادته الجديدة، وهو تفسير يبدو منطقياً ومعقولاً ومريحاً، إلا أنه يحتاج أيضاً إلى مساعٍ وجهود حثيثة – غير موجودة بالشكل الكافي حتى الآن، من جانب نواب ومسؤولي الحزب، كي يكتسب مصداقية ويضفي جانباً من الطمأنينة، على العلاقة مع باقي المكونات في البلد، الذين لهم هم أيضاً هواجسهم المشروعة، نتيجةً وقياساً بالأحداث على مدى السنوات السابقة، والذين هم بدورهم مدعوين لعدم التعامل مع الحزب وبيئته، بمنطق المنتصر والمهزوم، فالهزيمة كانت للأسف من نصيب لبنان كدولة وشعب في المقام الأول، قبل أن تكون لحزب أو لمحور، لا تهمه مصلحة لبنان ولا مصلحة شعبه.

فهل يستفيق اللبنانيون، وعلى رأسهم “حزب الله”، ويستخلصون العبر من نصف قرن من الأحداث الأليمة، التي غطت لبنان بأسره، وطالت الطوائف جميعها دون إستثناء في ظروف متشابهة نسبياً، فأصابتها في زعاماتها التاريخية، التي كان يمكن لها أن تبني دولة، لولا تطورات الأحداث الداخلية والتداخلات الإقليمية فيها، بدءاً بكمال جنبلاط وصولاً لحسن نصر الله، مروراً بالإمام موسى الصدر وبشير الجميل والمفتي حسن خالد ورفيق الحريري؟

هذا هو السؤال الأهم اليوم، والمنطقة على أبواب ترتيبات جديدة على ما يبدو، قد تكون شبيهة بترتيبات سايكس – بيكو، بعد أكثر من قرن على قيامها، وإذا كانت الأولى قد أفضت إلى قيام ووجود دولة إسرائيل، فقد تكون الثانية لتثبيت هذا الوجود في المنطقة، فماذا نحن فاعلون كلبنانيين، من دون أن ننسى القول المأثور، “عند تغيير الدول إحفظ رأسك”، فهل نحن فاعلون؟

السابق
طعن بتمديد ولاية أعضاء مجلس القضاء الأعلى والنائبين العامين التمييزي والمالي
التالي
العثور على جثث مجهولة الهوية بمنطقة السيدة زينب في دمشق