رحلة في كتاب «الطريق إلى القدس مائة عام من الشقاق والضياع» لنسيم ضاهر

كتاب

ليس سهلاً اختزال مائة عام بمائة وخمسين صفحة، من كتاب “الطريق إلى القدس مائة عام من الشقاق والضياع” للكاتب نسيم ضاهر، الصادر عن دار سائر المشرق، ومن الصعب أيضاً مواجهة التاريخ عوضاً عن الخوض في جدلياته والتعاطي معه وفق مشروعيته أو مشروعية المحاكاة المتبعة لفهم ماضيه.

منهج الكاتب في قراءة التاريخ

يبدو أن ما اجترحه الكاتب من وسائل، اعتمدت القراءة الذاتية للأحداث التاريخية، قد شكل فرصة لرؤية التاريخ من منظاره كمختص وناشط في الحقل المعرفي، وكناقل للمحمول السياسي في أبعاده التاريخية السلطوية وفي مكوناتها القومية لتيارات السلطة من جهة، ولتيارات النهضة العربية من جهة أخرى.

التاريخ بين وعي المصالح وتغافل الحقائق
بتقديري، ليس من السهل – كما ذكرت – مراودة التاريخ عن نفسه كما فعل نسيم ضاهر، والتنقل في أوساطه، ضمن الرؤية التخطئية لمجهود عربي أضاع الطريق إلى القدس، في لحظة وعي لمصالح الكيانات التي انتشرت على أسوار القدس، أو في لحظة تغافل لموازين القوى، بحيث انحازت الأمة في مكونيها السلطوي والحزبي، إلى شبيهها النازي في نزعة الاستبداد.

التاريخ كوعاء للمستقبل

لقد خاض الكاتب مغالبة صعبة في احتواء التاريخ، كوعاء لأحداث شكلت ماهية المستقبل، الذي ورثناه قسراً أو طوعاً. لا همّ في ذلك، ما دام التوريث التاريخي يفعل فعله السلبي فينا، كأجيال متعاقبة قبل النكبة وبعد النكسة، وضياع “العمر العربي” على “الحلم العبري”.

دور العرب في قيام الحلم العبري

وأكّد الكاتب مسؤولية قيام الحلم العبري على الأرض العربية، بمجهود مبذول من العرب، من خلال هجرات اليهود العرب منذ عام ١٩٦٩ إلى فلسطين، لملء الفراغ البشري اليهودي، بما يجانس الفلسطينيين أصحاب الهوية التاريخية، وبما يجالس الحضور العربي بحضور يهودي عربي أيضاً، من شأنه أن يُبدي نسغاً متشابهاً في التراب الفلسطيني.

الهجرات العربية ووظائفها المتعددة

وقد حملت الهجرات العربية الكثيفة – مغرباً ومشرقاً – وظائف متعددة المهمات، من القتل إلى إحياء الأرض، دون أن يكون لها موقع في الإدارة السياسية طيلة نشأة الكيان.

القدس في سياق الصراعات السياسية

جمع الكاتب أحداثاً كثيرة شغلت العرب، في تعاطيهم مع أنفسهم ومع الغرب، سواء داخل الخلافة الإسلامية، أو داخل الدولة الوطنية صاحبة الشرعية الاستعمارية، على ضوء تشكيلها وفق تقاسم دولة الخلافة بين بريطانيا وفرنسا. وحاول من خلال ذلك إسناد القدس اليهودي بمقومات عربية، سواء من خلال التعامل أو من خلال الحروب التي وفرت الحاجة الملحة لتهويد القدس.

القومية ودورها في دعم المجهود اليهودي

ربما ينازع القوميون الكاتب، في تحميلهم مسؤولية دعم المجهود اليهودي حلماً وواقعاً، وربما تعجز الناصرية عن إثبات ما يخالف نزعة الكاتب في الكتاب. وربما يتوارى البعث خلف تجربته في حماية الحدود للعدو، ويحاول أن يستعيد صلة صواريخ صدام الوحيدة قبل قبره، على الفلسطينيين لا على الإسرائيليين.

منظمة التحرير وتفريخ الدكاكين

وربما تستنكر عليه منظمة التحرير الفلسطينية ما عرّاه الكاتب، وكشف به عن سوأة “فتح”، في تفريخها لدكاكين ومقاتلين شردوا بعيداً عن القدس العربي لصالح القدس اليهودي.

الإسلاميون ومشروعهم السياسي

في رأي الكاتب، نجح الإسلاميون في صناعة ثورة “معلبة” واحدة، متفرغة لتأديب الأمة على تركها لدينها، من خلال تقسيمها إلى “دار كفر” و”دار إيمان”، وكان الأخير محصوراً بالمرشدين من أهل الدعوة الداعين إلى العودة إلى غار حراء، ومعهم قاتلون من أهل الغباء.

الإسلام الإيراني ودوره في إبعاد القدس

نجح – برأي الكاتب – الإسلام الإيراني في جعل القدس، أبعد ما يكون عن الوصول إليها، تمسكاً منه بألوية الدولة الفارسية عن أي أولويات أخرى، سواء كانت مذهبية أو جهادية، أو أي أولوية مستغلة لعودة الإمبراطورية الفارسية إلى ما كانت عليه من سطوة وسيطرة.

الإسلام السني وواقع التشرذم

وبينما انشغل الإسلام السني في طبعاته المتعددة، ببذل المزيد من الوحشية الداخلية في الوسطين العربي والإسلامي، سيطر الإسلام الشيعي بقيادته الإيرانية – وبشعارات عربية – على المشهد التاريخي المعاصر.

عملية طوفان الأقصى

هذا ما استتبع بروزاً لسيطرة كاملة على حقبة تاريخية، أفضت في آخر تجاربها إلى هدم ما بنته في فلسطين ولبنان من رأس مال استراتيجي. بلحظة مغامرة غير مدروسة، كانت “عملية طوفان الأقصى” فرصة إسرائيلية للقضاء على “حماس” و”حزب الله”. وبذلك خسرت إيران دوراً من أدوار تقدمها في الشرق الأوسط.

براعة الكاتب في السرد السياسي

لا شك أن الكاتب يتقن فن السرد السياسي بقلم رفيع يغوي القارئ، ويجعله يكمل معه رحلة البحث في التاريخ عن تاريخ آخر، لا يشترك معه في شيء من المذكور.

موضوعية النقد وغياب الماركسية

في مطالعتي للكتاب، وجدت موضوعية النقد للتجربة العربية في شقيها السلطوي والحزبي. حاولت أن أسرع معه لأجد نقداً مماثلاً للشيوعية، في تجربتها السوفياتية والعربية واللبنانية، فلم أجد.

ما وجدتُه من سياط على ظهر القومية العربية، وما أتاحه الكاتب في هذا المجال، مجرد نهاية لتجربته الشخصية في تقاطعه مع الماركسية، وهذا ما لم يواكب الكتاب، بقدر ما يصلح نشرة داخلية في الشؤون الداخلية لمنظمة الحزب الشيوعي.

السابق
بين النصر أو الشهادة.. هذه «أهداف» الحزب وإسرائيل
التالي
من هو «هوكشتين».. هل يحمل «ثقل الحجر العالي»؟!