فلسطين ولبنان بين الوطنيّة والقوميّة والدّين.. والدّولار

هشام حمدان

الوطنيّة هي أن تجعل مصالح الوطن، فوق أيّة مصلحة أخرى. والمصلحة القوميّة هي أن تضع الأمّة، فوق المصلحة الوطنيّة وفوق أيّة مصلحة أخرى. أمّا المصلحة الدّينيّة، فتعني أن تضع الإيمان فوق أيّة مصلحة، سواء وطنيّة أو قوميّة.

أين نحن الآن في هذا التّرتيب؟

1- سقطت في لبنان الإعتبارات الوطنية منذ عام 1969، عندما قبلنا بإتّفاق القاهرة، مكرّسين بلدنا ساحة القتال تحت العنوان القومي، بسبب ضغوط الدّول العربيّة الفاعلة. وكان الفلسطينيّون قد أسقطوا طوعا، العنوان الوطني لنضالهم منذ عام 1938، عندما طالبوا الدّول العربيّة بتبنّي قضيّتهم، والدّفاع عنهم. تحوّلت القضية الفلسطينيّة إلى القضيّة القوميّة الأساسية. حتى حرب الإستقلال في الجزائر التي انطلقت عام 1954، لم تتحوّل إلى قضيّة قوميّة، وإن وقف العرب مع الجزائريين، بل ظلّت قضيّة وطنيّة.

سقطت في لبنان الإعتبارات الوطنية منذ عام 1969، عندما قبلنا بإتّفاق القاهرة، مكرّسين بلدنا ساحة القتال تحت العنوان القومي

2- إستفاق الفلسطينيون لاستغلال قادة الدّول العربيّة لقضيتهم، وتزاحمهم لوراثة فلسطين على حساب دماء أهلها وأراضيهم. خرجت منظّمة التّحرير الفلسطينيّة عام 1973، للمطالبة بالإعتراف لها بالتّمثيل الحصري للشّعب الفلسطيني، وقضاياهم، وتحويل العرب ألى قوّة رافعة لنضالهم كما فعلوا مع الجزائريين.

3- لم تقبل منظّمة التّحرير مطلب اللّبنانيّين، بحقّهم في رفع المصلحة الوطنيّة أوّلا، بشأن دورهم على الأرض اللّبنانيّة، إستخدمت حملة الفكر القومي في لبنان لمواجهة تلك المطالب. وبالمقابل إستخدم العرب حملة الفكر القومي بين الفلسطينيين، لمواجهة حصريّة القرار لمنظّمة التّحرير بشأن فلسطين.

4- إنتهى التّنافس بين الشّعارات الوطنيّة بمقابل الشّعارات القوميّة بين اللّبنانيّين، وكذلك بين الفلسطينيين، إلى حروب داخليّة بينهم. أعتقد أنّنا لسنا بحاجة كبيرة لأن نشرح أنّ رنين الدّولار، ولمعان كرسي السّلطة، يعلو على كلّ وطنيّة سواء في فلسطين أو في لبنان.

5- سارع الغرب بعد سقوط الإتّحاد السّوفياتي إلى منح المسار الوطنيّ فرصة، سواء عبر اتّفاق الطّائف، أو عبر مؤتمر مدريد، ومن ثم عبر إتّفاق أوسلو بين الإسرائيليّين والفلسطينيين. نجح حافظ الأسد أولا بإسقاط المسارات الوطنية في مدريد، ومن ثم المسار الوطني الفلسطيني عبر أوسلو. لم تكن أداته الفاعلة لهذا الغرض، المسار القومي بل المسار الديني. هو تعاون مع إيران ومع ذراعها في لبنان “حزب الله”، لإنهاء المسار الوطني فيه، وتعاون مع حماس في فلسطين لإنهاء المسار الوطني الفلسطيني المبرمج في أوسلو.

نجح حافظ الأسد أولا بإسقاط المسارات الوطنية في مدريد، ومن ثم المسار الوطني الفلسطيني عبر أوسلو

6- سرّ الغرب، ومعها إسرائيل، لهذا الموقف. فدفع من جانبه، بالمشروع الإبراهيمي، واعتبر الدّين طريقة مناسبة للوصول إلى السّلام في الشّرق الأوسط. دفع الغرب بالأحزاب الدّينيّة، على اعتبار أنّها أكثر التصاقا بفكر المواطن المسلم في العالم العربي. دغدغ هذا التّوجه مشاعر قادة إيران وتركيّا. كلا البلدين يريدان استعادة نفوذهما في المنطقة. تركيّا أمسكت بزمام الأخوان المسلمين بين السّنّة. وإيران تابعت بعمليّة تصدير الثّورة ونظام ولاية الفقيه بين الشّيعة.

7- كانت إيران بحاجة لنجاحات على السّاحة الفلسطينيّة، لتمكين الشّيعة العرب من رفع شعار فلسطين أيضا. شكّل “حزب الله” الوسيلة، وسوريّة الأسد، ألحاضنة. سكت اللّبنانيّون عن هذا الأمر. بعضهم وأنا منهم، أخذتنا مشاعر تحرير لبنان من الأحتلال الإسرائيلي، وأنستنا موضوع السّلاح خارج الشّرعيّة، وموضوع الدّويلة داخل الدّولة. أما بالنّسية للسّياسيّين، فالوطنيّة، والقوميّة، والدّين، هم من السّلع الأساسيّة- commodities – يبيعها السّاسة في بلدنا للأجنبي مقابل الدّولار وفقا للعرض والطّلب. كما أنّها الشّعارات التي يبيعها للنّاس، كوسيلة لدفع المستحقّات عن الدّولارات المقبوضة.

8- نجح “حزب الله” بغطاء غربي وإسرائيلي، في “طرد إسرائيل من لبنان عام 2000، قبل وفاة حافظ الأسد بأسابيع قليلة. كان الأسد يعاني صحيّا، وكان الغرب يعلم ذلك. توقيت الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان لم يكن صدفة. كان هديّة للأسد قبل وفاته. وهكذا صار “حزب الله” ذراع إيران الشّيعي في الحرب تحت شعار فلسطين.

9- شكّل العراق، وبعض القادة القوميين العرب كالقائد اللّيبي معمر القذافي ذلك الحاجز المرير لهذا الهدف. سارع الغرب إلى تدمير النّظام في العراق، وأطلق “بعبع” الإرهاب الدّيني. دخلنا في مرحلة الرّبيع العربي، الذي انتهى بإنهاء القيادات القوميّة (علما أنها جاءت على حصان غربي كما سنشرح في مقالات لاحقة).

10- وهكذا وصلنا إلى مرحلة رفع الدّين كفكر للقتال من أجل القضيّة الفلسطينيّة. تحوّل “حزب الله” سندا ل”حماس” التي تقاتل تحت الفكر الدّيني أيضا. لا هم ان “حماس” تقاتل تحت شعارات الأخوان المسلمين، و”حزب الله” يقاتل تحت شعار الولي الفقيه. القاسم المشترك شّعار ديني جامع: تحرير القدس… لكن ماذا بعد مقتل السّنوار في غزة؟

السابق
اليونيفيل: الدّمار صادم..ومن الضروريّ بقاء قوّاتنا في لبنان
التالي
لا.. ليس ذلا ولا مهانة