في صباحٍ صيفي عام ١٩٨٩ ، بينما كنت متجاً الى مقهى “الويمبي” في شارع الحمراء، أخبرني أحد الأصدقاء أن صفوان حيدر ،خرب المدينة وهو يسأل عنك.. وبعد لحظات دخلت الى المقهى، وفجأة تقدم نحوي صفوان ودعاني لمجالسته طاولته في الطبقة العليا من :الويمبي”، فلبيت الدعوة دون تردد، أجلسني الى طاولة تضم صبية جميلة وساحرة الانوثة وتبلغ من العمر ما لا يتجاوز العشرين سنة. عرّفني على الصبية وطلب لي فنجان قهوة.
ومن دون مقدمات صارحني قائلاً، أريد منك أن تصادق هذه الصبية وأن تتزوجها لأنها صبية ذكية وجميلة وصغيرة بالعمر، وأنا أكبر منها بعشرين سنة، ولا قدرة لي على مبادلتها الحب.أما أنت يا شاعرنا البرتقالي (أطلق عليّ لقب الشاعر البرتقالي) تستحق هذا الحب، وستنعمان بأجمل حب.
الشاعر الخاص المميز والمترجم عن الألمانية والكاتب والمثقف والثوري صفوان حيدر يموت في منفاه- مشفاه بصمت عجيب
مات كما عاش غريباً
الشاعر الخاص المميز والمترجم عن الألمانية والكاتب والمثقف والثوري صفوان حيدر ، يموت في منفاه- مشفاه، بصمت عجيب يشبه التخفي والاختباء والتواري في كنف الجنون المقدس .
لم يكن صفوان (مجنوناً!) خارج مألوف الحياة الطبيعية ، بل كان حركة محورية في واقع الحياة نفسها، واقع الإبداع الشعري الخاص والمميز المرتكز الى حيوية الجنون الواعي والمدهش حتى اخر ايقاعات التفاعل المباشر مع صيحات الابداع والكتابة.
كان صفوان ركناً في المدينة التي تنجب الشعراء والحبر الفوّار. كان سيرة يومية تتحرك وتتمسرح في مقاهي شارع الحمراء،كان مساحة تقاطع تتوزع منها ثورة ضد الطغيان، و”ثورات ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية”، وهذا حال لسانه وتعريفه للكتابة التي اختارته ورحب بها أرحب ترحيب،فسار على هدى كلماتها وايقاعاتها (المُفعّلة والحرّة).
كان صفوان شاعراً كلاسيكياً بلغة حديثة،امتشق “معلّقات” المعنى وابتكر لغته النثرية الطربية،عن سابق إصرار ابداعي،لا عن سابق جنون ،كما قيل بحقه.
كان سيرة يومية تتحرك وتتمسرح في مقاهي شارع الحمراء كان مساحة تقاطع تتوزع منها ثورة ضد الطغيان
لم يكن مجنوناً، كان فريداً في حضوره،مُتفرّداً بجنونه وتحولاته واحتمالاته.
عاش صفوان حياته غائباً في متاهات البلاد ومصحاتها ومشافيها،ومات غريباً مُغيباً في أرض النار اللئيمة عليه.
لم يعش وحيداً، بل تكاثرت عزلته وتنوعت،فأردته “جوقة” حياة خاصة، وبرحيله ينكسر بلّور المدينة، يسقط زمن هائل كان فيه “جنون” صفوان واجباً واختلافاً وتنوعاً وعملاً ونشاطاً وفعلاً من أفعال الثقافة الراقية المتمردة الثائرة على التخلّف حتى الجنون.
يلوذ صفوان في الاختباء والتخفي في هذه المدينة التي ماتت داخل روحه النقية.
وداعاً يا صديقي صفوان، أيها الجميل الساحر، ياطيب القلب،يا سليل الكبار الذين أثروا الحياة والتاريخ بعظمة مجدهم.
وداعاً يا ملاك الغياب الذي أدار ظهره طويلاً لحياة قاسية، وأصر على (تحلية) مرارتها مهما تكلّف من جنون!

