منذ اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله” الذي افتتحها الاخير في 2 اذار مساندة لإيران، بدا واضحاً أن الهدف الإسرائيلي لم يكن فقط الرد على عمليات الحزب، بل إعادة صياغة قواعد الاشتباك التي حكمت الجبهة اللبنانية لعقود. واليوم، مع الإعلان عن التفاهم الذي رعاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يمكن القول إن إسرائيل اقتربت من تحقيق أحد أهم أهدافها الاستراتيجية: حماية الجبهة الداخلية الإسرائيلية من الصواريخ اللبنانية، وحصر الحرب داخل الأراضي اللبنانية، وتحديداً جنوب الليطاني وما بعده.
وفق المعطيات، يقوم التفاهم على وقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل امتناع “حزب الله” عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل، على أن يتم توسيع إطار وقف إطلاق النار لاحقاً ليشمل كامل الأراضي اللبنانية. وقد تولت واشنطن دور الوسيط المباشر، فيما لعبت قنوات سياسية وأمنية متعددة أدواراً في نقل الرسائل بين الأطراف المعنية.
من حماية بيروت إلى تثبيت المعادلة الجديدة
لا شك أن وقف استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت يشكل مكسباً إنسانياً وأمنياً لسكان العاصمة اللبنانية الذين عاشوا أسابيع من القلق والتهديد والنزوح. إلا أن القراءة الاستراتيجية لما جرى تكشف أن التفاهم يتجاوز مسألة حماية المدنيين ليؤسس لواقع أمني جديد.
فإسرائيل لم تتعهد بوقف عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني، كما لم تتخلّ عن ما تدعيه انه حقها المعلن في استهداف ما تعتبره بنى عسكرية أو تحركات تابعة لـ”حزب الله”. وبذلك تكون قد نجحت في الفصل بين مركز الثقل السكاني والسياسي للحزب في بيروت والضاحية من جهة، وبين ساحة المواجهة العسكرية المفتوحة في الجنوب من جهة أخرى.
العودة إلى اتفاق تشرين الثاني 2024
عملياً، أعاد التفاهم الحالي إحياء جوهر اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024، والذي أنهى حرباً استمرت 66 يوماً. ذلك الاتفاق منح إسرائيل هامشاً واسعاً للتحرك العسكري بذريعة منع إعادة بناء القدرات القتالية لـ”حزب الله”، وأتاح لها تنفيذ عمليات اغتيال واستهداف داخل الأراضي اللبنانية من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار كامل لوقف إطلاق النار.
اليوم، يبدو أن المعادلة نفسها تعود بصيغة أكثر وضوحاً: وقف الصواريخ على شمال إسرائيل والمستعمرات الحدودية مقابل استمرار الضغط العسكري والأمني الإسرائيلي داخل لبنان، وخصوصاً في الجنوب.
لم تتعهد اسرائيل بوقف عملياتها العسكرية في الجنوب اللبناني، كما لم تتخلّ عن ما تدعيه انه حقها المعلن في استهداف ما تعتبره بنى عسكرية أو تحركات تابعة لـ”حزب الله”.
جنوب لبنان بين الاحتلال والتآكل التدريجي
الخطر الحقيقي في التفاهم الجديد لا يكمن في ما أوقفه، بل في ما سمح باستمراره. فطالما أن إسرائيل تحتفظ بحرية الحركة العسكرية جنوباً، فإن احتمالات التوغل الميداني أو توسيع المناطق العازلة أو السيطرة على قرى جديدة تبقى قائمة.
وهذا يعني أن سكان الجنوب قد يجدون أنفسهم أمام واقع مشابه لما عرفته مناطق حدودية عديدة خلال العقود الماضية: غارات متواصلة، مناطق غير مستقرة أمنياً، ونزوح متكرر، في حين تبقى بيروت والضاحية خارج دائرة النار المباشرة.
النتيجة: إسرائيل حققت الهدف الأهم
إذا جرى تقييم التفاهم وفق ميزان المصالح الاستراتيجية لا وفق المشاعر السياسية، فإن الصورة تبدو واضحة. فقد نجحت إسرائيل في تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية دفعة واحدة. أولاً: وقف استهداف شمال إسرائيل والمستعمرات الحدودية، وثانياً: تحييد بيروت والضاحية الجنوبية بما يمنع توسع الحرب إلى مواجهة شاملة لا تريدها الولايات المتحدة، وثالثاً: إبقاء ساحة العمليات محصورة داخل الجنوب اللبناني حيث تمتلك التفوق العسكري الكامل.
طالما أن إسرائيل تحتفظ بحرية الحركة العسكرية جنوباً، فإن احتمالات التوغل الميداني أو توسيع المناطق العازلة أو السيطرة على قرى جديدة تبقى قائمة.
أما “حزب الله”، فحصل على وقف القصف عن بيئته الحاضنة في العاصمة وضاحيتها، لكنه وجد نفسه أمام معادلة جديدة تفقده إحدى أهم أوراق القوة التي امتلكها طوال سنوات، وهي القدرة على ربط أمن الجبهة الإسرائيلية بأمن الساحة اللبنانية.
في المحصلة، نجح ترامب في إنقاذ بيروت والضاحية من القصف، لكن نتنياهو يبدو أنه نجح في ما هو أبعد من ذلك: تحويل جنوب لبنان إلى الساحة الوحيدة للحرب، وإبعاد كلفة المواجهة عن الداخل الإسرائيلي، وهو هدف سعت إليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ انتهاء حرب تموز 2006.

