ندوة في كتاب «الإنتظام العربي العام» لوجيه قانصو..تنظيرٌ تأسيسيّ مُبتَكَر

ندوة كتاب وجيه قانصو
أثارت حيويّةُ مضمون كتاب " الانتظام العربي العام "، للباحث الدكتور وجيه قانصو، حيويّةَ نقاشٍ معمَّق ، دار حول موضوع هذا الكتاب ، في النّدوة الخاصة التي أقامها موقع " جنوبيّة "، ومجلة " شؤون جنوبيّة "، لمناقشة هذا الكتاب. وكان أطراف هذا النقاش هم المشاركون في الندوة والحضور ومؤلِّف الكتاب .

ولولا غِناه: الفكريّ، والبحثيّ، والمعرفيّ، والنظريّ، والثقافيّ، هذا الغِنى الذي تحمله طروحاته العِلمِيّة والواقعيّة، جملةً وتفصيلا، لما كان لهذا الكتاب (وهو كتاب موسوعيّ  يقع في 511 ص من القطع الكبير و صادر عن دار الفارابي في بيروت)  أن يثير تلك الحيويّة للنقاش الحواري الذي حصل حوله في الندوة.

ما المقصود بـ«الانتظام العربي العام»؟ 

و”الانتظام العربي العام”، “يقصد به العمليّة التي يتحقق بموجبها واقعٌ عام داخل المجال العربي، وفق هيئة مخصوصة وإيقاع محدَّد وتآلف وتناسق داخليين وطريقة أداء منتظمة ومتوقعة. أي أنّ بحوث هذا الكتاب تتقصّى مبادئ ونسق العلاقات القائم بين العناصر المقومة، لوجوه وأنماط التكوينات العمومية والممارسات والوضعيات، التي تجعل تحقُّق هذه التكوينات ممكناً وفعليّاً داخل المجال العربي . 

كتابٌ إصلاحِيٌ مَرجَعِيّ 

وقيمة هذا الكتاب متمثلة بأنه، أوّلاً : هو كتابٌ مَرجَعِيٌّ ، يسلك معه قارئه، طريق التّعرّف إلى المسار التاريخيّ للانتظام العربي العام في صوره المتنوعة ومحطّاته المتعدّدة، منذ ما قبل ظهور الإسلام إلى العصر الحديث والراهن. وجاء ذلك  من خلال معالجة الحقيقة التاريخية لمشكلة الدِّين والدولة والمجتمع ، في المجال العربي العام . وثانيّاً : أنه كتابٌ يطرح نظريّةً تأسيسيّة ( تغييريّة ) لنظامِ قِيمِ انتظامٍ عربيّ مُبتَكَر ، من خلال إثارته القضيّة التي تتصف بأنها أُمُّ القضايا العربية جميعاً ، وهي قضية ” الانتظام العربي العام “، هذا الانتظام الذي ما زال متوَرَثاً على مدى قرونٍ طويلة ، وصولاً إلى اليوم، وهو الانتظام الذي أثبت فشله الذريع في إقامة دولةٍ مدنيّة بالمعنى الحقيقي للكلمة . لذا فالحاجة العربية ماسّة إلى استبداله بانتظامٍ عربي عام، جديد ومختلف، أي على نحوٍ تأسيسيّ مبتَكَر كما جاء في هذا الكتاب النّقدِيّ الإصلاحِيّ، الذي يُؤمِنُ كاتبه بحتمّية التَّغيير التي يدعو إليها ويُنَظِّر لها عِلميَّاً ومَعرِفِيّاً في هذا المجال.

علامات فشلٍ وآثار مُشكِلةٍ فوق تاريخية 

فبالرغم من تاريخية المجال العربي “ما تزال مسألة الدولة وجميع مظاهر النشاط العمومي داخل المجال العربي، تبحث لنفسها عن سؤال: يحدد أرضية تفكير حول حقيقتها ووجهة بحث حول إمكاناتها من جهة ، ويطلق شروط ممارسة وصناعة واقعٍ عام من جهة أخرى . فإخفاق الأنظمة وسوء أداء الحكام أو عدم كفاءتهم أو حتى خبث نيّاتهم، هي مجرد علامات فشلٍ، وآثارٍ لمشكلة بنيويّة عميقة وراسخة باتت فوق التاريخ وعابرة لشخص الحاكم وشكل أيّ نظام سياسي .

لا يدعو إلى استبدال المجتمع بآخَر بل إلى مسارٍ جدليٍّ وتفاعُليّ لا يُلغي التراث ولا يُقصِي الدِّين عن الحياة 

نحن امام نظام توزيع وقواعد سلطة راسخة وشبكة قوى، أي أمام مبادئ وقواعد انتظامٍ عام، قامت عليها النُّظم السياسية وأشكال الحكم القديمة والحديثة في المجال العربي، جعل هذه النُّظم بحسب طبيعتها وتكوينها قاصرة عن أن تعطي افضل مما أعطته، أو تصل إلى أبعد مما وصلت إليه.

إقرأ أيضاً: «الإنتِظام العربيّ العامّ» وعلاقة الدين بالدولة والمجتمع.. نقاش «زاخر» في «منتدى جنوبية» حول كتاب وجيه قانصو

ما نحن فيه هو نتيجة طبيعية ومسار منطقيّ، لتوليفة سياسية وأرضية إجتماعية وخلفيّة ثقافية وبنية إنتاجية قائمة وراسخة، لم يتجرّأ التفكير العربي بالقدر الكافي على مساءلتها أو بحثها بشفافيّة.

إدراكٌ غائبٌ 

وهذه الشفافية المطلوبة لحتميّة التغيير العربي، هي “العباءة” الضافية لمحتويات كتاب “الانتظام العربي العام” الذي نُشارك كاتبه مشاركةً توافقيّة بما قدّمه في هذا العمل الموسوعيّ الذي يُعلِن فيه قائلاً وفي الفصل الأخير والمتمحوِر حول “الثورات العربية”، التي حصلت في العالم العربي في العقد الأخير المنصرم: لم يدرك أكثر الثوار أنّ نصف المشكلة كانت في السلطة، والنصف الثاني كان فيهم، وأنّ تغيير سلطةٍ بالذهنيّات والقيم والروابط القائمة نفسها، سيعيد إنتاج السلطة نفسها التي اعتدنا قيامها على منطق الغلبة، لكن هذه المَرَّة بوجوهٍ جديدة ونُخَبٍ مختلفة.

مأسسةُ المجال السياسيّ العام 

لا أدعو هنا (والقول للباحث) إلى استبدال المجتمع الموجود والمجيء بمجتمع آخر؛ بل إلى مسارٍ جدليّ وتفاعُليّ، لا يلغي التراث بل يعيد تأويله، ولا يفكّك الروابط العضوية بل يؤطّرها بالقانون، ولا يُقصي الدِّين عن الحياة ؛ بل يشقّ في داخله ورشةً إجتهاديّةً تفتح مسامّ النَّصّ الدِّيني على رهانات الحياة المعاصرة، ولايقتصر على مظاهر الحداثة؛ بل يستدعي أصولها الفلسفيّة والقِيميّة  ويجذِّرها في الحياة العامة، والأهمّ من ذلك خَلق أومأسسة المجال السياسيّ العام، الذي يفتح قنوات التواصل والتفاعل والتكامل بين مكونات المجتمع، على قاعدة الإرادة الحرّة والتفكير العقلاني، لغرض بناء الصالح العام واالرأي العام والإجماعات العامة وحتّى الإرادة العامة. لم تعُد الثورة ( يقول المؤلِّف ) حدثاً يحقق التّغيير بطريقةٍ دفعيّة وسحرية، بل سياقاً ووجهة، لاتحقق أهدافها منذ لحظة ظهورها، بل لحظة الإدراك أننا لم نعُد بحاجة إليها”. 

شروط الانتقال إلى فضاءٍ خلاّق

لكن ومن أجل تحقيق الانتقال إلى فضاء الانتظام العربي العام، الفضاء الذي يصبو إليه هذا الكتاب، تُقرِّر خاتمةُ هذا الكتاب الحقيقة التالية التي يتوجّب التّوقُّف مليّاً عندها: “ليست معضلة الدِّين والدولة والمجتمع في العالم العربي استثناءً عصيّاً على الفهم والتشخيص والحل؛ بل يستدعي تحويلُها من أزمة مُدَمِّرة إلى جدلٍ خلاّق: عقلاً نيِّراً، وسلوكاً  مبدِعاً، وحرية إنسانية. 

إنّ معضلة الدِّين والدولة والمجتمع هي قابِلةٌ لِلحَلّ وتحويلُها من أزمة مدمِّرة إلى جَدَلٍ خلاَّق يستدعي : عقلاً نيِّراً وسلوكاً مُبدِعاً وحُرّيّة إنسانيّة 

إنّ كتاب “الانتظام العربي العام”، هو كتابٌ نَقدِيٌّ، وتمتاز نقديّته بشفافيّة وموضُوعِيّة من خلال “النظر في طبيعة الواقع نفسه وقابليّاته وإمكاناته في العبور إلى فضاءِانتظامٍ  (عربي) جديد” وهو – وعلى ما تُظهِر معطياتُه في هذا الكتاب – فضاء انتظامٍ إبداعِيٍّ تأسيسيّ وغير مسبوق عربيّاً، أي فضاءً مُبتَكَراً يُلغي سطوة الموروث السلطوية الإستبدادية؛ ويُحِلّ محلّها انتظاماً محلّيّاً، تتشكَّل فيه، على نحوٍ خلاَّق، منظومة قِيم الدِّين والدولة والمجتمع، تَشَكُّلاً حضاريّاً بالفعل يُمسِي نَهجَ حياةٍ إنجازاتُهُ أكبر من إخفاقاتِه، أي نقاط قوّته أكبرمن نقاط ضَعفه، أي نهجاً: تَقَرُّ به عيون الشعوب العربية المقهورة، وتنشرح به صدورها، وتهنأ به قلوبها. بدلاً من نظامِ قِيَمٍ مروِّع، هو الذي، كان وما زال وسيبقى – إذا ما بقي النهج القديم نفسه –  لانتظامٍ عربيّ قاتِلٍ ومدمِّر في حُكمِهِ لـ”رعاياه” الذين لطالما أبكَى  به عيونَهم،  وضَيَّقَ به صُدورَهُم،  وأَدمىَ به قلوبَهُم. 

السابق
بالفيديو والصور: ثوار العراق يطلقون وثيقة «مبادئ تشرين» قبيل موعد الاحتجاجات المرتقبة
التالي
وزير الصحة يطلق خطة لمكافحة الكوليرا..ووصول 10 الاف لقاح خلال 10 ايام!