كان يمكن للمشهد أن ينقلب. لكن من جديد تفشل “قوى التغيير” ومعها كتل ونواب معارضة في ترجمة الشعارات التي رفعتها في الطريق الى البرلمان، فتتخلى لحسابات مختلفة عن فرصة إيصال صوت موحّد، وهذا ما أظهرته نتيجة الإستشارات النيابية الملزمة أمس حيث انبرى “اللقاء الديمقراطي” وحده إلى جانب عدد من النواب الى تسمية السفير نواف سلام، فيما استنكف الباقون، ليصل بفعل ذلك الرئيس نجيب ميقاتي الى سدة التكليف.
عدد الأصوات المؤيدة لميقاتي بلغ 54 صوتا، في حين امتنع عن التسمية 46 نائبا، فيما نال نواف سلام خمسة وعشرين صوتا. مصادر سياسية تحدثت عبر “الأنباء” الالكترونية عن “انزعاج الشارع السنّي مما يجري”، واستغربت تمنع القوتين المسيحيتين الكبيرتين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر عن تسمية الرئيس المكلف بوصفه موقعاً سنّياً، معتبرة أنه “أيا تكن الأعذار والأسباب، فمن غير المنطق تجاهل الموقع الثالث في هرمية الدولة، وعدم احترام رأس السلطة التنفيذية التي هي بحسب الدستور من أهم المواقع في الجمهورية”.
دلالات: أما “النهار”، فرأت أن يمكن القول ان يوم الاستشارات الذي انتهى بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي تاليف رابع حكومة برئاسته منذ المرة الأولى التي دخل فيها الى نادي رؤساء الحكومات عام 2005، كاد يخلو من أي مفاجأة او تطور غير محسوب بما فيها الأكثرية الهشة التي حصل عليها بـ 54 نائبا. ومع ذلك لا يمكن تجاهل ابرز الدلالات المهمة التي حملها تكليف “ميقاتي الرابع” والوقائع السياسية التي واكبته خصوصا انها سترخي ظلالها واثارها على مهمته الصعبة في انجاز تأليف سريع قياسيا للحكومة العتيدة المحكومة مبدئيا ودستوريا بعمر قصير لا يبلغ الأربعة اشهر الا اذا حصل طارئ مجهول – معلوم في اجراء الاستحقاق الرئاسي.
ابرز هذه الدلالات تمثلت في ان اللامفاجأة صحت بحصول الرئيس ميقاتي على ما بات يمكن ادراجه تحت خانة “الاكثريات الصغيرة” او “الأقليات الكبيرة” التي صارت سائدة مع المجلس النيابي المنتخب بحيث توحي هذه الظاهرة بأفول زمن الاكثريات الوازنة كما الاجماعات او شبه الاجماع. بـ 54 نائبا صار ميقاتي الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الأخيرة في عهد الرئيس ميشال عون فيما هو باق في الوقت نفسه رئيس حكومة تصريف الاعمال الامر الذي يضعه امام مفارقة موقع بالغ الحساسية وعند “فالق” اهتزازات او زلازل الاستحقاق الرئاسي الاتي في الأشهر القليلة المقبلة. فسواء نجح ميقاتي في تاليف حكومة جديدة ام تعثر او بالأحرى جرت عرقلة مهمته تعمداً، فان ثمة احتمالا أساسيا ينظر من خلاله الى واقعه الجديد وهو انه سيكون على رأس الحكومة الانتقالية التي يفترض ان تجرى الانتخابات الرئاسية خلال ولايتها او انها ستغدو هي “القائم مقام” رئيس الجمهورية في حال عدم انتخابه في الموعد الدستوري .
اما الدلالة الثانية فاكتسبت واقعيا بعداً خطيراً سياسيا وطائفيا عبر بروز الحجم الكبيرة للممتنعين عن تسمية أي مرشح لتشكيل الحكومة وقد بلغ عددهم 46 نائبا اكثريتهم الساحقة تتشكل من كتلتي “الجمهورية القوية” و”التيار الوطني الحر” . طبعا هذا التقاطع بين اكبر كتلتين مسيحيتين لا يعني توافقا بين الاخوة – الأعداء على أي شيء يتصل بالمرحلة الفاصلة عن نهاية العهد العوني . لكن الدلالة التي استوقفت كثيرين في هذه “المقاطعة” المبطنة لاختيار أي مرشح لتشكيل الحكومة تتمثل في البعد الميثاقي الذي ترددت اصداؤه لدى الأوساط الأخرى. وبدا لافتا مثلا ان يغرد النائب السابق عاصم عراجي قائلا: “من منطلق وطني غير مقبول ان لا يسمي حوالي خمسين نائبآ مسيحياً اليوم اي شخص سني لتشكيل حكومة، كان بامكانهم تسمية شخص غير الرئيس ميقاتي او نواف سلام، ألا يوجد بالطائفة السنية شخص لديهم ممكن أن يشكل الحكومة؟ اذا طبق النواب السنة هذا على انتخابات رئاسة الجمهورية، سنكون امام اشارة خطيرة”.
الدلالة الثالثة في حصيلة الاستشارات تخرج السفير السابق نواف سلام رابحا مرة جديدة ولو خسر. ذلك ان العضو اللبناني في محكمة العدل الدولية في لاهاي حاز على كتلة داعمة لترشحه من 25 صوتا بما يعتبر في ظروف توزع التكتلات الجديدة في المجلس امرا لا يمكن تجاهل أهميته ويؤكد ان نواف سلام صار على نحو غير معلن عابرا للاتجاهات السياسية .
ويبقى ان العد العكسي انطلق من لحظة تكليف ميقاتي لاستحقاق التاليف الذي سيكون بلا أي نقاش وجدل شاقا وشاقا للغاية.
اذاً كلّف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة الجديدة بتسمية من 54 نائباً بعد استشارات نيابية ملزمة أجراها رئيس الجمهورية ميشال عون طوال نهار امس فيما حصل السفير نواف سلام على 25 صوتاً، أما الرئيس سعد الحريري، فقد حاز على صوت واحد، وكذلك الأمر الدكتورة روعة حلّاب، وكان خيار 46 نائباً “لا تسمية”، مع تغيّب النائب أشرف ريفي عن العملية. وعلى الإثر، استدعى عون ميقاتي للقائه إلى جانب الرئيس نبيه برّي وابلغه النتائج والتكليف .
وأفادت معلومات أن الاستشارات لتشكيل الحكومة التي يجريها الرئيس المكلف مع الكتل والنواب من المرجّح أن تجرى الاثنين بعد الظهر، والثلثاء قبل الظهر.

