خيّب الجيش الروسي أمال شعبه وانصاره في الداخل والخارج بسبب عجزه عن اتمام مهمته العسكرية التي امره بها رئيسه فلادمير بوتين، وهي تأديب الجارة المتمردة أوكرانيا الواقعة على الحدود الغربية للاتحاد الروسي بسبب رغبتها بالدخول في حلف الناتو، والمهمة تتلخص بدخول المدن الكبرى والعاصمة كييف ونزع سلاح الجيش الاوكراني، ثم تشكيل حكومة موالية لموسكو تتعهّد ان لا تنضم ابدا للحلف الذي تقوده الولايات المتحدة.
اقرأ أيضاً: أوكرانيا.. «ممانعة» غير مطابقة للمواصفات اللبنانية!
خاركوف والفشل الروسي
لعلّ أبرز مثال عن فشل الجيش الروسي وظهوره بمظهر العاجز، هو ما حدث ويحدث حاليا في مدينة خاركوف التي لا تبعد سوى 50 كلم عن الحدود الروسية، فقد هاجمها الجيش الروسي مرتين وتراجع في الايام الماضية، متكبدا خسائر فادحة في الارواح والمعدات، حسب ما نقلت المشاهد الحية ومواقع التواصل، واعترف فيه لاحقا الاعلام الروسي.
هذه الهزائم الميدانية جعلت الرئيس الروسي بوتين، ومن اجل رفع معنويات جيشه المنهك يهدد بسلاحه النووي، ويذكر العالم بترسانته من الصواريخ العابرة للقارات، فأمر أول أمس الأحد جيشه بالتأهب النووي واتهم الغرب بمساندة اوكرنيا، وهي تهمة لا تنفيها اميركا واوروبا وشرف تدعيه، ولكن ما هو مستغرب ان يلجأ بوتين الى هذا الاتهام، وهو الذي يملك جيشا جبارا لا ينبغي لأيةّ مساعدات عسكرية يتلقاها عدوّه، ان يكون لها تأثير يحدث فارقا ويغيّر مجرى الحرب!
أبرز دليل على تخبط القيادة العسكرية الروسية في حربها هو فضيحة نفاذ الوقود من الدبابات الروسية المتقدمة باتجاه المدن الاوكرانية
غير ان الحقيقة المرّة، كما أصبح معلوما والتي يتعامى عنها بوتين وحاشيته هي ان روسيا في عهده تعاني من جملة امراض جعلتها تتخلّف في جميع النواحي عن دول العالم الغربي، واثرت سلبا على جيشها واساطيله الجوية والبحرية وعلى الويته البرية التي يشاهدها العالم يوميا بصورة مذلة، على شكل ارتال مدرعات مبعثرة وهي تحترق بفعل الضربات الصاروخية، التي يوجهها افراد الوحدات الخاصة الاوكرانية وهم يدافعون عن أراضهم بقوّة وبسالة.
الدكتاتورية والتخلف التقني
اول تلك الامراض هي عودة الدكتاتورية الى التسلل مع قيادة بوتين الاحادية لروسيا، وما يرافقها من سيادة البيروقراطية الشمولية الموالية للقائد، وهدفها المعلن هو عودة مجد المعسكر الشرقي بزعامة روسيا القومية، بديلا عن زعامة الاتحاد السوفياتي للمعسكر الشيوعي الذي انهار بعد هزيمته في الحرب الباردة منذ حوالي 30 عاما، اما الهدف الحقيقي للمشروع هو تأبيد زعامة بوتين على روسيا، مستعينا الاخير بنخبة بيروقراطية موالية، تكلّست في ادارات الدولة ومفاصلها على مدى عقود منذ عام 1999 تاريخ تسلمه الحكم وتشبّثه فيه، حتى ان بوتين بات يطرب عندما يسمع الاعلام الغربي يلقبه بـ “قيصر” روسيا الجديد، بسبب حيازته على السلطة والزعامة المطلقة في بلاده، وكل انجازاته مختصرة انه حوّل الاقتصاد الروسي، الى اقتصاد ريعي يعتمد 70 بالمئة على تصدير النفط والغاز الى اوروبا والعالم.
وكما هو حال جميع الدكتاتوريات، فان الادارات الرسمية التابعة للدولة عادة ما يتم تسليمها لمسؤولين موالين للقائد، بغض النظر عن كفاءتهم الادارية والعلمية والعسكرية، لذلك لا نستغرب فشل القادة العسكريين الروس الذين يرأسهم رئيس الاركان فاليري غيراسيموف وهو الجنرال المدلل لدى بوتين ، وكان غراسيموف احتج قبل عام على تزويد اوكرانيا بالاسلحة الغربية، ومنها الطائرات المسيرة بيرقدار التركية وصواريخ جافلين الاميركية المضادة للدروع، في حين انه لم يسأل صناعاته العسكرية عن سبب تخلفها تقنيا والكترونيا، وعدم قدرتها على صناعة مثيل لها او تطوير اسلحة مضادة تعطلها ما سهّل وقوع دباباته اليوم فريسة لتلك الصواريخ والمسيرات.
الحقيقة المرّة التي يتعامى عنها بوتين وحاشيته هي ان روسيا في عهده تعاني من جملة امراض جعلتها تتخلّف في جميع النواحي عن دول العالم الغربي
ولعل أبرز دليل على تخبط القيادة العسكرية الروسية في حربها اليوم، هو فضيحة نفاذ الوقود من الدبابات الروسية المتقدمة باتجاه المدن الاوكرانية، وخروج اطقمها منها وتركها اسيرة بيد الجنود الاوكران وهو ما وثقته الكاميرات وصرح به عدد من الجنود الاسرى الروس، وهذا يدل على اهتراء موصوف في قطاعات الجيش الروسي وفشل بدائي صادم لفرق الدعم اللوجستي، الذي تمثّل بعدم قدرتها على الوصول بالوقت المناسب لتزويد الدبابات بما يكفيها من وقود.
أما في الجوّ فإن استعانة اوكرانيا بشركات اوروبية واسرائيلية قامت بتطوير اجهزة التصويب لعدد من طائرات الميغ 29 الروسية القديمة وتزويدها بصواريخ جو- جو غربيّة حديثة، كان له اثر حاسم في منع الهيمنة الجوية للطيران الروسي على الاجواء الاوكرانية، بل وتمكنت من اسقاط العديد من طائرات روسيا المقاتلة الحديثة ومنها الأحدث سوخوي 35، كما ظهر تخلّف سلاح الدفاع الجوي من خلال عجز بطاريات الصواريخ المتحركة أرض-جو (بوك) في حماية القوات البرية المتقدمة من نيران الطائرات المسيرة الاوكرانية، وهي حتى لم تتمكن من حماية نفسها فدمرتها المسيرات أيضا!
واليوم اذا تنعقدت مفاوضات الفرصة الاخيرة بين الوفد الروسي والاوكراني في بلاروسيا، فهي فرصة لبوتين لتحقيق مكسب سياسي و حفظ ماء وجهه وحفظ روسيا، فهل سيغتنم هذه الفرصة لتحقيق السلام مع جارته التي استعداها اوكرانيا، أم سيدفعه غروره الى الذهاب لحافة هاوية حرب عالمية ثالثة، لانقاذ نفسه من ورطة حربه؟

