كان الإعتقاد بأنّ مصر عبرت فعلاً الى عمارة الديموقراطيّة لإعادة بنائها بما يليق بشعبها وتاريخها. ما حصل أخيراً أعادها الى المربّع الأول "الشعب يريد…".
تكمن المشكلة هنا، أي شعب هو الذي يريد؟ وهل ما يريده هو الصواب والنهائي، والمعبّر عن قناعات جميع المواطنين، أو أكثريّتهم الساحقة؟ لا جواب، لأنّ نموذجاً واحداً من كل تلك التي قدّمها الربيع العربي، لم يتمكن من النفاذ من دوامة الخطأ. حمَل الشعارات، وعند التطبيق كانت الانحرافات في ظلّ غياب الهدف الواحد، الجامع المعبّر عن روح الثورة، ومرامي التغيير المنشود.
وصل "الإخوان المسلمون" الى الحكم عبر صناديق الإقتراع، لا أحد ينكر عليهم هذا الحق، لكن عندما وصلوا حاولوا شطب مصر، وطمس شخصيتها. ليس من رأي عام مصري في حساباتهم، ولا من تنوّع، أو أحزاب.
"الإخوان" فقط، ومن هو غير "إخواني" لا يحق له المشاركة في صناعة مصر الحاضر، والمستقبل. الأدهى أنّ "الإخوان" لم يقدّموا مشروعهم بصفاء وجرأة، وشفافية. لم يعلنوا الى أين يأخذون مصر؟ أو أي مصر يريدون حاضراً ومستقبلاً، كل ما فعلوه مجرّد إطلاق العنان لمعاول الهدم، لكن ماذا عن البناء؟ إنها مسألة أخرى.
قد لا تكون مشكلة "الإخوان" وحدها، بل مشكلة "الشعوب" التي إندفعت في ميادين التحرير في تونس، في مصر، في ليبيا، في اليمن، في سوريا… مطالبة بالتغيير. "الشعب يريد إسقاط النظام، وعندما سقط النظام لم يعد يعرف الشعب ماذا يريد؟! إتفقنا على ما لا نريد، ولكن لم نتّفق على ما نريد؟!"، ومع سقوط الأنظمة تحوّل "الشعب" الى مجموعة من "الشعوب" المتناحرة، تخلّى عن المواطنيّة الى الطائفيّة، وعن القوميّة الى المذهبيّة، وليس من جامع مشترك بل شعارات وفئويات، وعشوائيات، ومطالب غامضة، المضمر منها أخطر من المعلن؟!
ولنا في لبنان نموذج، خرج "حزب الله" عن الإجماع وذهب الى القُصير، والى ما هو أبعد من القُصير. لماذا؟ لا جواب مقنعاً حتى الآن، والأجوبة التي قدّمها لم تكن بمستوى وطن، وثوابت وطنيّة. كانت بمستوى "جماعات"، وطوائف، ومذاهب، وعشائر، وهذا أمر مريب وخطير. إنزلق من قمّة الوطن الى حضيض الطائفة والمذهب، ومن تحرير الأرض في العام 2000، الى "تحرير" شياطين النعرات، والمذهبيات، والفئويات من عقالها.
والصدمة التي أحدثها بخروجه المدوّي الى القُصير لا تزال تتفاعل بتموّجاتها المقلقة وغير الواضحة تماماً. كيف يساهم الحزب في تحرير الوطن من الإحتلال الإسرائيلي في العام 2000، ثم يخرج فجأة عن الدستور، والإرادة الوطنيّة، والتفاهمات الوطنية، ليقول إنه ذاهب الى القُصير، ثم الى ما هو أبعد منها؟!
قد تكون "موضة القُصير قد أصبحت قديمة، أو اعتاد عليها اللبنانيّون"، لكن ما يقلقهم هو ماذا بعد القُصير؟ والى أين يذهب الحزب من وراء تورّطه في الداخل السوري؟ وكيف يعود الى لبنان، ومتى؟ وعبر أيّ بوابة؟ وما هو ثمن العودة وتداعياتها على الدولة، والمؤسّسات، والصيغة، والثوابت، وهل يريد تغيير النظام، وفي أي اتجاه؟ وهل ما يريده يوافق عليه اللبنانيّون، أم يفرضه عنوة؟!
ما بين الحزب، وجماعة "الإخوان" أوجه شبه: وصل الحزب الى حيث هو في المجلس النيابي والحكومة، عن طريق صندوقة الإقتراع، وإن كان "للقمصان السود والسابع من أيار 2008، حكايات وروايات لم تنته فصولاً بعد". كذلك وصل "الإخوان" الى مراتب المسؤوليّة من خلال الصندوقة أيضاً، وإن كان "للبلطجة حكايات وروايات لم تنته فصولاً بعد". خرج الحزب الى القُصير على رغم إرادة اللبنانيّين في غالبيتهم، كما خرج "الإخوان" عن إرادة غالبيّة المصريّين عندما أرادوا "الاستئثار" بالسلطة، وبالبلاد والعباد.
حاول الحزب ولا يزال بإعلامه وصخبه، و"أسلوبه المتقن" أن يغطي السموات بالقبوات، وأن يجمّل كلّ قبيح، ويحاول أن يقنع الناس بأنّه "مليح"، وأن يوظف الشعارات البنّاءة، ليستخلص منها الرأي العام إيحاءات سويّة واعدة. كذلك اعتمد "الإخوان"، على ألسنتهم، وأئمتهم، وإعلامهم، وسخطهم وضجيجهم لأخذ المواطن المصري الى حيث يريدون، وفجأة تكتشف الأكثريّة بأن هذا ليس المطلوب.
وقد أصبح المطلوب في مكان آخر، بعدما أمعن "الإخوان" في اختزال مصر لتصبح متوافقة مع "إمارتهم"، ونظرتهم الى قضايا الأمة، وشؤون الناس؟! وهنا تكمن المشكلة، هل بعد من أمّة، وشعب متنوّع هادف، أم شعوب كلّ منها يغنّي على ليلاه… بإسم "الشعب يريد إسقاط؟!".

