هل هي مرحلة خلط أوراق؟ أم انتظار طويل؟ هي المرحلة السياسية الحاضرة والمستقبلية؟
هذا السؤال مطروح بإلحاح لدى دوائر القرار عند كل اللاعبين الأساسيين على المسرح السياسي، لا سيما بعد بروز مؤشرات توحي أن ثمة تحولات في فريق 8 آذار وبالتحديد بين جناحيه أي قوى 8 آذار الاصلية و"التيار الوطني الحر" الذي بدا زعيمه وكأنه يريد ان ينطلق من اطر التفاهم المبرم منذ نحو 7 أعوام بينه وبين "حزب الله" ويريد المضي قدماً نحو أفاق جديدة وعلاقات أكثر انفتاحاً والتزاماً لحسابات مختلفة جديدة. ولا شك ان ثمة من يسعى الى تكريس فرصة جديدة فحواها ان "حزب الله" صار مضطراً الى ان يعيد في الفترة المقبلة حساباته ويبدّل رهاناته، لأن "منظومة الامان" التي وفّرها له حليفه في الشارع المسيحي طوال اعوام توشك ان تتداعى، وتبعث برسائل جلية متعددة عن رغبتها في التحلل من تعهدات والتزامات سابقة أملت عليها مواقف واثماناً معينة. واستطراداً لأن الخصوم الدائمين للحزب وحلفاءه سلكوا في الايام القليلة الماضية سلوكاً تصعيدياً جديداً تجاه الحزب، ولا سيما بعد أحداث عبرا، اذ لوّحوا بخيارات اخرى كرد مباشر وسريع على ظاهرة الشيخ احمد الاسير التي نظر اليها دوماً على اساس انها الند الذي سيعوق انطلاقة الحزب، خصوصا أنها تقف في الطريق المفضي الى معقله السياسي في الجنوب.
اذاً يواجه الحزب في رأي البعض تحدياً مزدوجاً: عملية "انزال" خلف خطوطه السياسية ومشاغله في منطقة الأمان له، وتصعيد غير مسبوق من جانب الخصوم، وامتداداتهم الاقليمية وصلت الى حد تخوف البعض من محاولة عزل تدبَّر للحزب تحرمه كل امتداداته الداخلية والخارجية وتصيّره حالة محاصرة تضيق امامها مجالات الحراك.
ولا شك ايضاً ان هناك مزيداً من الاعتراض على دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري الى جلسة تشريعية للمجلس لمناقشة جدول اعمال حافل، لكن اهمّه التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي، وهو عبارة عن قرار متخذ سابقاً وغايته الرد على جملة امور منها:
– عرقلة الحزب وفريقه السياسي واستيلاد حكومة جديدة برئاسة الرئيس المكلف تمام سلام.
– الرد على ما حصل في عبرا شرق صيدا، ودور الجيش في القضاء على ظاهرة الاسير، وبالتالي حرمان الحلف السياسي للحزب مكافأة قائد الجيش العماد قهوجي، من خلال التمديد له.
– سد المنافذ والسبل امام الحلف السياسي الذي يسبح الحزب فيه للحيلولة دون استغلاله فرصة الفراغ الحكومي وبالتالي السماح للمؤسسة التي يرأسها احد ابرز رموز هذا الحلف من فرصة التشريع، اي تكريس معادلة عنوانها تعطيل مقابل تعطيل، والحبل على الجرار.
– اشعار الحزب وفريقه السياسي انه ليس السيد الحصري للعبة السياسية والمالك لناصية الوضع، فثمة من يترصده ويدبر له المكامن والفخاخ ويستعد لمواجهته، وعليه ان يدفع اثمان سعيه تكبير حجمه ومحاولاته لتوسيع دوره الداخلي والاقليمي.
– ولا ريب ايضاً ان الحزب استشعر بجسامة حملة التهويل السياسية والاعلامية والاقتصادية والاقليمية عليه لحرمانه "التلذذ" بالانتصار العسكري المدوي الذي حققه في القصير في ريف حمص قبل اسابيع، واستشعر ايضا ضخامة الحملة السياسية الداخلية عليه، خصوصاً من "تيار المستقبل" ورموزه الأساسيين، ولا سيما بعد معركة عبرا، التي وإن يكن الجيش بطلها الابرز، الا أن نتائجها تصب في خانة الحزب وتشكل انتصاراً مبيناً له، لكونها خلّصته من خصم عنيد كان يعدّ بالأصل لمشاغلته وفصم عرى علاقته بصيدا وما تشكله حاضراً وتاريخاً.
وعليه، فإن السؤال المطروح: هل "حزب الله" فعلاً بات يشعر بأن الارض تهتز تحت اقدامه وان خصومه يتقدمون في محاصرته وتبديد ما يعتقد أنها مكاسب وأرباح؟
– لا تخفي مصادر في الحزب ان خصومه قد رفعوا وتيرة هجمتهم عليه في الآونة الاخيرة، ولاسيما بعد معركة القصير، وان هذه الوتيرة أخذت منحى تصعيدياً بعد احداث عبرا واجتثاث الجيش ظاهرة الاسير.
ولا تخفي أيضاً أن ثمة تضخيماً لطبيعة الأداء السياسي الاخير للعماد عون وتصويره على اساس ان الرجل الذي نسج تفاهماً راسخاً مع الحزب عام 2006 في احلك الظروف وأصعبها، قد أخذ يقرع جرس التحلل من هذا التفاهم والخروج من اطاره ومترتباته الى فضاءات اخرى اكثر رحابة وذات عائدات افضل.
ومع ذلك، فإن المصادر نفسها لا تجد لدى خصوم الحزب القدرة على بلوغ المرحلة التي يسعون اليها بدأب منذ فترة، وهي وضع الحزب في الزاوية وجعله عاجزاً عن المبادرة والحراك.
– المصادر عينها ترى أن سلوك الخصوم الاخير وخطابهم التصعيدي الذي ارتفع بشكل غير مسبوق خصوصاً على خلفية احداث عبرا، دليل حسي على استشعارهم بسقوط رهاناتهم الواحدة تلو الأخرى التي كان اكبرها رهان صيدا بوابة الجنوب والرغبة في تحويلها الى خطوط تماس مع محيطها تشتعل غب الحاجة والطلب، ولعل هجمة هذا الفريق المعلن تارة والمضمرة طوراً على الجيش وقيادته في اليرزة وقياداته في الجنوب الى درجة مطالبة الرئيس نجيب ميقاتي بالضغط على قيادة الجيش لاستبدال هذه القيادة، دليل آخر لا يقبل الشك على مدى رهان هذا الفريق على "مشروع الاسير" وعائداته على المديين القريب والبعيد.
– في كل الاحوال فان المصادر عينها في الحزب تستغرب ان يشرع خصومها في توسيع آفاق الحديث عن محاولات عزل الحزب ومساعي تدفيعه الاثمان والتفكير في استيلاد "ظواهر أسيرية جديدة" في القريب العاجل، والتلويح بخطرها، لأن هذا دليل على ان هذا الفريق هو الذي لا يتعلم من اخطاء رهاناته وخطايا حساباته، ويذهب دوماً نحو الرهانات الخاسرة التي تتصور أن فرصة "محاصرة الخصم" وتوجيه ضربات اليه قد صارت دانية القطاف.
– وعليه، فإن مصادر الحزب اياها لا تجد نفسها تراوح في أي ازمة خيارات او حسابات، بل المشكلة ان الذين يجعلون من انفسهم خصوماً للحزب هم الواقعون في لجّة الأزمة ويسعون الى جر البلاد برمتها اليها.

