حازم صاغيّة… في متاهة العروبة وأوّلها

Saghiya.jpg

لم تكن العروبة سوى مفهوم فضفاض معلّب في الخطابات الانشائية التي كانت في عصر النهضة العربيّة وفي اوائل القرن العشرين حجر أساس لقصائد حماسيّة أو مقطوعات نثريّة أو روايات العبر والمغزى، وقد بهت لون هذا المفهوم مع نشوء الأحزاب الاشتراكيّة واليساريّة التي استخدمت بصدق مفردة العروبة لتعزيز مشروعاتها وشرعيّاتها في العملين السياسي والاجتماعي وفي العقل الايديولوجي الجامع لجماهيرها، لكن سرعان ما انتهى تأثير هذا المفهوم بانتهاء تأثير هذه الأحزاب عربيًّا ولبنانيًّا.
من هنا جاءت على الأرجح فكرة كتاب “أوّل العروبة” للصحفي الموسوعي حازم صاغيّة، في العودة الى العروبة وتشريحها بكتاب بانورامي يقترب من البحث ولا يطرح تساؤل.

من اليمين: رئيس جمهوريّة مصر العربيّة الزعيم الاشتراكي جمال عبد الناصر، وزعيم منظّمة التحرير الفلسطينيّة ياسر عرفات، ونائب الرئيس المصري أنور السادات

تهزمنا كتابات حازم صاغيّة؛ تجعلنا نكتشف بأناقة عيوبنا الثقافيّة ومكامن التقصير في شتّى مجالات القراءة.
انطباعيًّا، هذا الكتاب نهرب منه مرّة ويباغتنا مرّة. ورغم صغر حجمه وقلّة صفحاته، فإنّه يمزج التاريخ العربي بالمفاهيم الاجتماعيّة والسياسة واللغة والأدب.

الكتاب الذي يتألف من مقدّمتين وثلاثة فصول لا تعالج مفهوم العروبة بصيغة معياريّة أو علميّة، بل بصيغة ثقافيّة وفكريّة…
فالفصل الأوّل ” صعود الدم واللسان ” هو بمثابة مسح فكري وتاريخي للسلوك السياسي والعسكري العربي بدءًا من القرن التاسع عشر ومقارنته بالقرن العشرين والتمييز بين الحكّام العرب الأوائل الذين كانوا يتجنّبون الدم والحروب قياسًا بحكّام القرنين التاسع عشر والعشرين الذين جاهدوا لبناء خطاباتهم انطلاقًا من الدم والقتل والاحتراب.
أمّا الفصل الثاني ” حلف الثورة الهاشميّة: الوعد الغريب” فهو إعادة سرد سياسي وتاريخي لثورة الشريف حسين وخفايا علاقته بالانجليز وانقضاض العروبة على العثمانيّة متجاوزة الأواصر الدينيّة الاسلاميّة، في هذا الفصل يثبت صاغيّة كيف اعاد الانجليز العرب إلى جسمهم القومي العرقي وفرط الانصهار الاسلامي الاسلامي، فضلًا عن تأثير المثقفين المننتمين إثنيًّا إلى فئة الأقليّات على الحركة السياسيّة العربيّة.
ليكون الفصل الثالث” انفراط الحلف وتركة الإحباط ” فهو استئناف لقراءة التحالفات التي ولّدت الثورة العربيّة والحديث عن البداوة والاسلام والتأثير على روح الثورة التي جعلت العرب والعروبة تصطدم بصراع مع الغرب وتولّد بذلك حنينًا الى الاسلام العاكس للانصهار العثماني العربي.

الطبعة الثانية من كتاب ” أوّل العروبة”- دار رياض الريّس للكتب والنشر 2025

«أوّل العروبة» ونقاش المفهوم

نقديًّا، يأخذنا كتاب «أوّل العروبة» (دار رياض الريّس، الطبعة الثانية، 2025) نحو نقاش متعدّد الأوجه حول مفهوم العروبة.

استخدم حازم صاغيّة، قصدًا أو من غير قصد، المنهج الثقافي الذي يُعدّ من المناهج النقديّة الخارجيّة التي برزت غربيًّا وعربيًّا في عصر النهضة، في عمق القرن التاسع عشر. وأعني ما أعنيه في استخدام صاغيّة منهجًا نقديًّا أدبيًّا، لأنّ معالجته للمفاهيم والقضايا السياسيّة وحال شعر الثورة والموت بين القرنين التاسع عشر والعشرين استوجبت استخدام هذا المنهج.

الشريف حسين بن علي الذي قاد الثورة العربيّة الكبرى ضد العثمانيين بالتحالف مع بريطانيا عام 1916- BBC

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ المقارنة بين راديكاليّة واشنطن ولندن البرلمانيّة من جهة، وراديكاليّة ميشال عفلق وأنطون سعادة من جهة ثانية، لم تحتج إلّا إلى عرض ثقافي يدفع المتلقّي إلى استنباط مفهوم الراديكاليّة في الحالين.

فضلًا عن ذلك، فإنّ ربط العروبة بفكر سعادة القومي ورؤية عفلق إلى الإسلام، القائمة على اعتباره تراثًا لا يمكن تخطّيه، دفع صاغيّة إلى سرد تاريخي بانورامي لفكر الرجلين، مع نقد اتّسم بتوصيفات حادّة، وهو سلوك من سلوكيّات الباحث الذي يسلك المنهج الثقافي، القائم أدبيًّا على ربط الأدب بالخلفيّات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة.

ميشال عفلق أحد أبرز مؤسّسي حزب البعث العربي الاشتراكي (Getty Images)

إعادة سرد التاريخ بين الماضي والماضي القريب

حافظ حازم صاغيّة على اللغة السرديّة المتحرّرة من التساؤلات، بل اعتمد منهجيّة إعادة سرد التاريخ السياسي بتكثيف وإيجاز، رابطًا السياق بين زمنين: الماضي والماضي القريب.

ليكون خروج الكتاب بطبعته الثانية، التي عدّل عليها صاغيّة وفقًا لما جاء في المقدّمة، بمثابة مراجعة لأخطاء تُعاد بسياقات مختلفة.

والحقّ أن الكتاب بمقالاته القليلة يثبت ما قاله تودوروف قبل عقود عن الرواية- باعتبار العروبة رواية متحرّرة من المعنى الأدبي الضيّق للمفردة- أنها تخلق الواقع بدلا من أن تعكسه.
فالسرد التاريخي الذي سنتحدث عنه في الأسطر القليلة المقبلة أثبت أن التاريخ لا يعيد نفسه ثقافيًّا وسياسيًّا فحسب بل يخلق الواقع الذي اعتدنا عليه نحن العرب منذ سيرورة الانقلابات والحروب وصولا إلى ربيع الثورات وخريفها والحروب العبثيّة وجبهات الاسناد.

الكاتب والمفكّر السياسي حازم صاغيّة -دار المصوّر تمّوز 2021

حين تتحايل الأيديولوجيا على كياناتها

وككلّ كتب حازم صاغيّة، فإنّ «أوّل العروبة» من الكتب الثقافيّة التي تحتاج إلى الصبر والتركيز والتدوين، لأنّها تثبت كيف تحايلت الأحزاب الأيديولوجيّة على كياناتها بالتناقض، وتؤكّد كيف وقف العرب عند نقطة واحدة، دون أن يتقدّموا نحو التفكّر والتغيير، رغم الدماء التي أُريقت والثورات التي صيغت.

السابق
«لن ندخل العام الدراسي إلا متفرغين».. هل تدفع مماطلة السلطة بملف أساتذة الجامعة اللبنانية نحو عام دراسي أبيض؟