أكد الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون ان السبب الرئيسي لمحاولة العماد ميشال عون التقارب مع المملكة العربية السعودية هو "ضغط الشارع المسيحي الذي بدأ يستشعر المخاطر التي ستترتب على لبنان جراء تورط حزب الله في سوريا"، وخصوصا بعد التحذيرات الخليجية المتكررة من سلبيات هذا التدخل.
وقال في حديث خاص لـ "جنوبية ": لقد أدرك المسيحيون أمرين: الاول انهم "اصبحوا تحت امرة الولي الفقيه، على عكس ما كان يروجه عون من شعارات"، وان قرار القتال في سوريا مع ما سيجره على لبنان من ويلات، هو قرار الولي الفقيه. والامر الثاني، تكشفت للمسيحيين "حقيقة التحالف الذي نسجه عون مع حزب الله والرئيس نبيه بري، فهو شراكة في المحاصصة وليس في القرار، في حين ان القرار الاستراتيجي سياسيا وامنيا بيد حزب الله"، وهذا ما تجلى في موضوع التمديد لقائد الجيش حيث اتخذ القرار بري والحزب من دون حتى استشارة عون".
وتعاملا معه على اساس انه "صفر على الشمال" .
وأضاف، صحيح ان هذا التحالف أمن للتيار العوني بعض المغانم في السلطة الا انه في المقابل همش المسيحيين الى ابعد الحدود. وبعد ان كانوا في واجهة المشهد الداخلي عند الانسحاب السوري من لبنان، "همشهم عون وباعهم بارخص ثمن لحزب الله". كل هذا يجعل عون اليوم في موقع الباحث عن تكفير ذنوبه.
واشار ان "لا اعتقد ذلك لان عون لن يتغير الا اذا سقط النظام السوري". بل يمكن القول ان "عون اصبح مثل النائب وليد جنبلاط جالسا على ضفة النهر ينتظر جثة صديقه بدلا من عدوه".
وفي ظل عزلة حزب الله المتزايدة هل يستطيع عون حشره اكثر؟ وما هي الخيارات المتاحة للحزب في مواجهة ذلك ؟
يقول بيضون: "لا اعتقد اننا امام تغيير كبير الان، فعون نفسه الذي استقبل السفير السعودي امس، اعلن ان لاحكومة جديدة الا قبل الانتخابات القادمة بشهرين. وهذا تحديدا ما يريده حزب الله الذي يسعى اما الى افراغ مؤسسات الدولة واما الى السيطرة عليها، ليعلن نفسه صاحب السلطة الوحيد في البلد. وهكذا بعد وضع اليد على مجلس النواب وتعطيله، وبعد عرقلة تشكيل الحكومة، سيأتي الدور على الرئاسة الاولى بتعطيل الانتخابات العام المقبل".
واضاف، حزب الله يسقط الشرعية لينصب نفسه الشرعية الوحيدة خصوصا بعد ان سقطت مشروعيته الشعبية كمقاومة، واصبح مجرد فرقة من فرق الحرس الثوري تقاتل في سوريا بامرة الولي الفقيه. وعلى المستوى الداخلي نزع رئيس الجمهورية عنه الشرعية بقوله ان البلد يحكمه اعلان بعبدا وحزب الله هو الوحيد الذي يشذ عنه. وعون في الواقع لا يزعج حزب الله في مسعاه هذا لا بل انه يساعده. وجل ما يفعله اليوم من خلال التقارب مع السعودية هو البحث عن مخارج تحسبا للمستقبل وخصوصا في ما خص الانتخابات .
وهل يصب هذا التقارب في مصلحة الطموح الرئاسي لعون؟
قال بيضون: "لا شك ان هاجسه الاساسي هو رئاسة الجمهورية وقد نال وعدا من بشار الاسد بجعله رئيسا. وعون مصدوم اليوم بواقع ان الاسد لم يعد قادرا على منحه اي شيء وهو العاجز عن الاستمرار في حكم سوريا. الا ان الطموح يبقى موجودا وخصوصا لدى جبران باسيل الذي فتح الطريق نحو السعودية. وكما كان الاسد قد وعد عون بالرئاسة له ولمن يرثه، فان باسيل يعتقد انه بالامكان نيل الرضى السعودي، ادراكا منه ان نظام الاسد بات بحكم المنتهي.
ولكن اكرر ان السبب الرئيسي لانفتاح عون على السعودية، أقله الان، ليس الانتخابات الرئاسية، وانما ازالة هواجس المسيحيين الذين تكمن مصالحهم في الخليج وليس في ايران .
وعن نظرته للمرحلة المقبلة وهل سيستمر الفراغ المؤسساتي كما توقع عون؟
اجاب بيضون: لقد جمد حزب الله البلد وسيره على ايقاع المعركة في سوريا. ويبدو انه، ومن خلفه ايران، يعتقدان انهم قادران على ربح هذه المعركة، ويتجاهلان انهم دخلا الى حريق لا يمكن اخماده.
وللاسف فان لبنان يدفع الضريبة الاكبر. ضريبة امتداد ولاية الفقيه من ايران الى العراق الى سوريا الى لبنان والى غزة، وهي ليست جاهزة للتراجع، وستدفع المنطقة نهرا من الدماء بسبب هذا الموقف. فايران لن تتخلى عن نفوذها الامبراطوري التي تراه قد تحقق مجددا.
بالنسبة للبنان اعتقد ان الدور الانقاذي من هذا الفراغ ومن هذه الازمة منوط بالمسيحيين . ليس لانهم مسيحيون، وانما بسبب المواقع التي يشغلونها، مثل رئس الجمهورية وقائد الجيش ومدير المخابرات ورئيس المجلس الاعلى للقضاء وحاكم مصرف لبنان. هؤلاء يمسكون مبدئيا ادارة البلد، الا ان حزب الله انتزع منهم كل الصلاحيات. وهؤلاء الخمسة هم القادرون على وضع حد لمغامرة حزب الله، واستعادة الدولة في لبنان، وتحقيق سيادتها وقرارها. وانا أنصح رئيس الجمهورية يجمع هذه القيادات لتدارس ما يجب اتخاذه من قرار. فاذا قرروا التصدي لحزب الله يمكن ان تنشأ معادلة داخلية جديدة، وخصوصا اذا انضمت اليهم مواقع اخرى مثل مدعي عام التمييز ومدير قوى الامن الداخلي وغيرهما. واذا لم يحصل ذلك سيستمر حزب الله في قضم المؤسسات، الواحدة تلو الاخرى. وقد نجح بتمديد ولاية مجلس النواب بالسيطرة عليه، وسيحاول السيطرة على الجيش بتمديد ولاية قائده وهكذا.

