لن تذهب مصر الى التجربة الدموية التي تقلبت فيها الجزائر ردحاً طويلاً من الزمن، ولن يستطيع "الاخوان المسلمون" دفع المصريين الى الوقوع في التجربة اليمنية، التي وضعت الشعب ضد الشعب الى ان تنحى علي عبدالله صالح. فبعدما قال الجيش المصري في بيان حاسم "الامر لي" لن يكون في وسع "الاخوان" مواجهة الشعب والجيش معاً، بما يعني ان حكم محمد مرسي انتهى بعد عام من الاخطاء والاوهام، التي ارتكبت على قاعدة ان على المصريين ان يكونوا شعباً في السمع والطاعة لأمير المؤمنين الجديد الذي تصفق له المخابرات الاميركية!
البيان العسكري الذي أمهل مرسي 48 ساعة لإيجاد حل ينهي الازمة، ولوّح بوضع خريطة طريق لمستقبل البلاد، يمكن ان يختصر بكلمة واحدة وهي تلك التي يرفعها المصريون أي "ارحل"، لكن مرسي ومن ورائه "الاخوان" تجاهلوا ان نصف الشعب المصري على الأقل نزل الى الشارع مطالباً بانهاء هذه الحقبة المريرة التي أعقبت الثورة على حسني مبارك، وتمترسوا وراء القول ان مرسي انتخب ديموقراطياً، ولكأن الشعوب لا تستطيع ان تقول كلمتها إلا في صناديق الاقتراع، في حين تبدو مصر كلها بمثابة صندوق اقتراع يجمع على إنهاء المهزلة المستمرة منذ عام، حيث حاول الاخوان الامساك بخناق الدولة والمجتمع وابتسار السلطة كلها.
لم يكتف مرسي برفض المهلة التي حددها العسكريون، بل اتهم الجيش ضمناً "بتعميق الفرقة بين ابناء البلد الواحد وتهديد السلم الاهلي"، زاعماً انه سيمضي في خططه للمصالحة الوطنية، في حين وزّع "الاخوان" السيناريو الذي يقول ان الجيش ينفذ انقلاباً عسكرياً ضد السلطة المنتخبة شرعياً، وهذا ليس بصحيح كما تفهم واشنطن جيداً وان كانت تتحسر الآن من التفليسة المبكرة لمرسي و"الاخوان"، الذين بدا حتى الامس انها تدعمهم رغم رفض الشعب المصري القاطع لهم!
مرسي آخر من يحق له الحديث عن الدولة الديموقراطية المدنية الحديثة بعدما اثبت خلال عام الى اين يريد ان يذهب بمصر، ولا يمكن الحديث عن حفظ مكتسبات "ثورة 25 يناير" ما لم يتم ترحيله عن السلطة، ومن المؤكد انه لن يكون في وسع "الاخوان" الذين حصدوا الفشل باكراً بعد جهد بذلوه منذ 85 عاماً للوصول الى السلطة في اكبر بلد عربي، ان يواجهوا تحالف الجيش مع الشعب المصري، وخصوصاً ان هذا الجيش دولة داخل الدولة.
المصريون الذين اجتاحوا الميادين لإنقاذ الثورة من تحريف "الاخوان" لا يصححون مسارات محمد مرسي الخاطئة فحسب، بل يصححون اتجاهات ما سمي "الربيع العربي" الذي انقضّ عليه "الاخوان" الذين لا يلتفتون كثيراً الى القومية او الوطنية، في اكثر من بلد وسط مباركة اميركية مدفوعة بحماسة اسرائيلية… ورحيل مرسي يرسي الربيع على قواعد صحيحة!

