خالتي الكبرى تدعى زينب. تزوجت منذ 35 عاماً تقريباً، وانتقلت للعيش في قرية هانئة تقع جنوب مدينة طرطوس، فزوجها سوري، تعرّفت عليه حين كان جدّي يعمل في سوريا منذ عقود. عاشت خالتي زينب في قريتها منذ تزوجت، ولم تزر لبنان إلا في المناسبات. كبر الأولاد الأربعة ودرسوا وعملوا وتزوجوا في سوريا. توفيت ابنتها الصغرى فيها أيضا. لا، لم تمت بواسطة برميل متفجر ألقاه الجيش السوري، ولا قتلتها "جبهة النصرة" لأنها كانت سافرة. توفيت قبل 12 سنة بسرطان في الدماغ، وكانت لم تتخط الثالثة عشرة من عمرها. حتى وقتها رفضت خالتي أن تأتي بها إلى لبنان. كلّ ذلك حدث ولم تخرج خالتي من قريتها الصغيرة إلا في المناسبات الكبرى، إلى دمشق أو إلى طرابلس لزيارة العائلة.. حتى الأسبوع الماضي. فهي منذ منتصف أيار الجاري تعيش في بيت جدي في طرابلس، بعدما هجّرت من بيتها في قريتها السورية.
لم تتعرض خالتي للتهجير لأنّها معارضة لـ"البعث"، فهي وخلال سنوات إقامتها الطويلة في سوريا، لم يستطع حتى أولادها أن يكتشفوا ما هو موقفها وزوجها من النظام. لكنّهم كانوا يعرفون أنّها شخص يحب الاستقرار، والأمان، ولا يعجبها التغيير أبداً، ولا تستسيغه، ولو خيّرت لبقيت حياتها كما كانت منذ عشر سنوات، حتى نهاية عمرها. هي غير مسيَّسة لدرجة مضجرة. لا تتحدث في السياسة ـ ولو قطعت رقبتها. تحفظّ ربما بسبب عقود ثلاثة قضتها في الجمهورية العربية الشقيقة؟ لا أعرف. ما أعرفه فقط هو أنّها هجّرت لأنّها كانت غير مسيَّسة، فهي لم تبادر ولو لمرّة واحدة طوال حياتها في سوريا، التي نالت جنسيتها، إلى رفع أي صورة للقائد الخالد حين كان لا يزال خالداً، ولا بعد وفاته. كما لم تعمد مرة إلى إظهار أي ميل لإصلاحات الرئيس الدكتور ولم تثن عليها، كما لم ترفضها أو تنتقدها. بقيت تعيش على هامش السياسة والاقتصاد في سوريا. ولم تشعر في أي وقت من الأوقات منذ انطلاق الثورة السورية أن عليها الرحيل كون أكثر من نصف أهل القرية التي تعيش فيها يعانون من حب كبير للقيادة السورية. بسبب آثامها كلها تلك، قرر بعض أهالي قريتها أنها تستحق الطرد. فهي لم تظهر ولائها المطلق لـ"البعث"، وأصلها لبناني (تهمة تنفع في أي مكان)، وابنها (صدق أو لا تصدق) يصلّي يوم الجمعة في الجامع، أي هو "يحضّر لمؤامرة ما".
حين هجم "الجيران" على منزل خالتي ليلاً شفع لها أن أحد أصهرتها ينتمي إلى عائلة "وطنية"، فلم يحصل أي "أذى". في اليوم التالي، حزمت خالتي وابنها أمتعتهما وسافرا إلى لبنان. بقيت، في سوريا، الابنة التي تعيش قرب منزل أهل زوجها "الوطنيين"، ما يؤمن لها حماية معنوية على الأقل، وزوجة الابن الفلسطينية التي يمنع عليها مغادرة البلاد من دون إذن رسمي، وزوج خالتي الذي بقي لدى أقارب له، علّه يتمكّن من حماية المنزل الذي لم ينته بعد من بنائه، وصرف عمره كله في محاولة جمع ما يكفي من المال لتشييده.
في سوريا كانت تعيش خالتي زينب، سيدة من لحم ودم، والدها اسمه علي، وشقيقها اسمه حسن، هجّرت من منزلها قرب طرطوس، على يد من فتح الأبواب لجموع الزاحفين إلى سوريا.. لحماية المقدسات.

