ترشيد الصراع في سوريا، هو عنوان المرحلة، أي "تهديفه"، أن يكون له هدف. حتى الأمس القريب كان الهدف إسقاط النظام، أضافت إسرائيل أولويّات، منها مراقبة السّلاح الكيماوي، وقطع طرق الإمدادات ما بين إيران وحزب الله، واقتطاع أجزاء كبيرة من هضبة الجولان، والدخول كطرف رئيسي في مجريات الأمور الميدانيّة، في موازاة إيران، وتركيا. لقد كان وزير الدفاع الأميركي تشاك هايغل في ضيافتها، وتخوّفت طهران من اقتطاع ثمن "الضيافة" من رصيد برنامجها النووي.
تستفيد إسرائيل من عاملين: إستباق القمّة الأميركيّة – الروسيّة لفرض جديد ما على أرض الواقع، ثم التلبّك الحاصل في طهران مع اقتراب موعد الإنتخابات الرئاسيّة. وترى أنّ من يصل إلى دمشق إنّما يجتاز نصف المسافة نحو المفاعلات النوويّة الإيرانيّة، عندها قد لا تكون مضطرّة الى استئذان أيّ كان لعبور مقاتلاتها المعدّة سلفاً لإنجاز هذه المهمّة في الظرف المؤاتي.
ما تريده آنيّاً هو استدراج إيران لإنهاكها في المستنقع السوريّ، وكانت البداية في جرمايا، حيث كان الثمن يومها مصنعاً للصواريخ، ومقتل قائد فيلق الحرس الثوريّ الإيرانيّ في لبنان حسن شاطري.
خطف المطرانين نوع من ترشيد الصراع. قد تكون الجهة الخاطفة معروفة، لكن المعالجات تخطّت مضارب التنظيمات إلى الدول. هناك من يدعم، من يموّل، من يسلّح، والعناوين كلّها واضحة ومعروفة، ومن يوفّر هذه التقديمات يفترض به أن "يمون" على التنظيمات.
الروس يحسبونها جيّداً، عندما زار نائب وزير الخارجيّة ميخائيل بوغدانوف بيروت ترك رسائل واضحة لدى مرجعيّات رسميّة وروحيّة التقاها، هناك دول مسؤولة تموّل وتدعم الجهات الخاطفة، وبالتالي يجب أن ترتقي الى مصاف مسؤوليّاتها، وإلاّ الحساب آت لأنّها تعرف جيّداً بأنّ الأدوار التي تلعبها لا تؤهّلها، ولن تؤهّلها أن تكون في مصاف الدول الكبرى التي تمسك بزمام الأمور.
والعناوين هنا واضحة، الأول تحييد الصراع عن مساره. إذا كان الهدف إسقاط النظام، فما علاقة المطرانين؟، وهل باختطافهما يسقط؟ والثاني "تطييف" الصراع. وهذا تحدٍّ للمعارضة، قبل أن يشكّل تحدّياً لإرادة الشعب السوريّ.
الخاطفون يجرّدون المعارضة من هويّتها الوطنيّة، ليلبسوها العباءة الطائفيّة – المذهبيّة. إنّه "تهديف" للصراع، أي انحرافه، وبدلاً من أن يكون لغايات وطنيّة مصيريّة، يتحوّل إلى "دكاكين" طائفيّة ومذهبيّة، والنموذج العراقيّ خير شاهد، وثقافة الأقاليم المذهبيّة تتوسّع، حدودها حدود الدم المدرار، والذي لن يجفّ في مستقبل قريب.
واستناداً الى ما تقدّم، يمكن النظر إلى المحادثات التي أجراها رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان في حاضرة الفاتيكان، بأنّ همّه ألّا يكون ترشيد الصراع على حساب لبنان في ظلّ الحدود المفتوحة، والأجواء الدوليّة المشرّعة. أكثر من مليون نازح، ولا يرفّ جفن لأيّ دولة من الدول المتمكّنة، البعض منها يزايد في إرسال المال والسّلاح، ويساهم في تأجيج المعارك، و"استحداث" برك الدم، ولا يبادر الى بلسمة الجراح، ومعالجة التداعيات؟
تطلق إسرائيل العنان لطيرانها الحربيّ، ولا من يحرّك ساكناً، وكأنّ هناك سيناريو ينفّذ بإتقان، إسرائيل من جهة، سوريا من جهة أخرى، وعلى لبنان وسط هذه الكمّاشة أن يتحمّل عبء النزوح، وعبء المغامرات غير المحسوبة التي يقوم بها البعض، وعبء الأثمان التي قد تترتّب نتيجة التحوّل الكبير الذي يشهده الصراع. ولأنّ الأخطار المحدقة كبيرة، وتنطوي على تحوّلات ومتغيّرات، تأتي النصيحة الأوروبيّة ملحاحة، المطلوب حكومة، وهذا الأسبوع قبل الأسبوع المقبل.
والمطلوب انتخابات، ولو تغيّر الموعد، والمطلوب ألّا يكون ترشيد الصراع على حساب لبنان واستقراره، خصوصاً وأنّ الشهيّة السياسيّة والمذهبيّة والطائفيّة مفتوحة، فكيف إذا كان هناك من يموّل ويساهم في نشر الفوضى.
المواصفات مهمّة، لكن المستجدّات تجاوزتها نحو الأهم، المطلوب تجنّب الفراغ لا تبريره وتوسيع مساحته. المطلوب أن تكون هناك مؤسّسات تعمل وتنتج، وليس مجرّد هيكليّة مجوفة تنشط فيها المليشيات والتنظيمات والعصابات، فيتفاقم العبء الأمني ليشكّل قيمة سلبيّة تضاف إلى العبء الإجتماعي، الإقتصادي، والمعيشي. تريد الدول الصديقة حكومة تدير شؤون مليون نازح، وتواجه تداعيات العبء السوريّ الطافح والذي بدأ ينثر رذاذه على دول الجوار.
حكومة تعدّ للإنتخابات وتشرف على إجرائها. وقبل كلّ هذا، حكومة تعرف كيف تتعاطى مع مرحلة ترشيد الصراع كي لا يرتدّ ويصيب بشظاياه النسيج الإجتماعي الطائفي المذهبي الحسّاس.
في حسابات الدول، إنّ التورّط الإسرائيليّ قد يكون بداية ممهّدة لتورّط دوليّ يأتي نتيجة تفاهم روسيّ – أميركيّ لفرض خيارات وتسويات على الواقع السوريّ… لكن بعد مزيد من الضعف والترهّل.

