الجمهورية: مخاوف من جولة عنف جديدة في طرابلس والجيش عزَّز قواه

فيما المنطقة على صفيح ساخن، يبقى الترقّب في لبنان سيّد الموقف، مع تسارع الأمور في اتّجاه مزيد من التوتّر، وتصاعد منسوب القلق على الأمن والاستقرار، ما دفع مجلسَ الأمن الدولي إلى الدخول على خطّ التحذيرات ودعوة جميع الأطراف اللبنانيين إلى احترام سياسة النأي بالنفس وعدم التورّط في الأزمة السورية، والأممَ المتحدة إلى إطلاق تحذير على لسان رئيس المفوّضية العليا للّاجئين أنتونيو غوتيريس من "خطر حقيقيّ لانفجار" في المنطقة نتيجة استمرار الأزمة السورية.

وفي هذه الأجواء الملبّدة، استأثرت التهديدات السورية بضرب مجمّعات مَن وصفتهم بـ"العصابات المسلّحة" داخل الأراضي اللبنانية في حال استمرّ تسلّلها من الحدود، بالاهتمام والمتابعة، علماً أنّ هذه التهديدات، وخلافاً لما يعتقد البعض، لا تأتي قبل الاعتداءات السوريّة على لبنان، وإنّما بعد حصولها، لأنّ الحدود اللبنانية سائبة ومفتوحة منذ أشهر، وسوريا تعتدي على السيادة اللبنانية فتقصف وتقتل وتخطف.

نولاند

ودانت المتحدّثة باسم الخارجية الأميركية فكتوريا نولاند بشدّة أيّ تهديدات من النظام السوري بنقل معركته إلى الداخل اللبناني، معتبرةً أنّ "من شأن ذلك أن يفاقم العنف".

وقالت: "لنتذكّر كيف وصلنا إلى هذه النقطة. إنّ سوريا دعمت "حزب الله" طوال عقود، و"حزب الله" يدعم نظام الأسد الآن. المقاتلون يتدفّقون في الغالب عبر الحدود من أجل دعم النظام، فمن الذي بدأ دوّامة العنف هذه؟ إنّه نظام الأسد بنفسه".

سليمان: البيان قيد الدرس

وفيما قوبلت الرسالة السورية إلى الخارجية اللبنانية برفض عارم من المعارضة، أعلن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من افريقيا أنّ بيان الخارجية السورية قيد الدرس، ونحن بصدد تحديد الموقف المناسب حياله. وجدّد تأكيده على سياسة النأي بالنفس عن الأحداث السورية. مؤكّداً أنّ لبنان "لن يسمح بأن يكون ممرّاً للسلاح والمسلّحين عبر حدوده، ولا إقامة قواعد عسكرية أو بؤر أمنية للمسلّحين على أرضه من كلّ الاتجاهات. مشدّداً على مسؤولية الجيش اللبناني في "منع كلّ هذه المظاهر التي تشكّل خرقاً لـ"إعلان بعبدا"، ونحن معنيّون ومسؤولون عن منع تسلل السلاح والمسلحين عبر الحدود بين البلدين".

السنيورة وجعجع

وتعليقاً على التهديدات السورية، دعا رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة الحكومة اللبنانية إلى أن "تتحرّك بسرعة وعلى مختلف المستويات لاتّخاذ الإجراءات الميدانية والعسكرية لحماية الحدود والمناطق الشمالية والشرقية من لبنان من أجل منع الاعتداءات التي يبدو أنّها مقرّرة بدليل المواقف التصعيدية والتهديدية المتعدّدة التي صدرت في اليومين الماضيين عن شخصيات سوريّة وأخرى في لبنان محسوبة على سوريا.

وتساءل السنيورة: "هل هناك مَن قرّر تفجير الأوضاع في لبنان عشيّة القمّة العربية المزمع عقدها في الدوحة من أجل تحويل الأنظار عن جرائم النظام السوري ضدّ المواطنين السوريين في سوريا، وتركيز الأنظار على لبنان بعد تفجير الأوضاع وتنفيذ التهديدات والاعتداءات السورية المُعدّة والمبرمجة والتي يهدّدون بتنفيذها؟".

وبدوره دعا رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الحكومة اللبنانية إلى "اتّخاذ قرار واضح بنشر الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية-السورية وتوسيع نطاق القرار 1701"، وطالبَها أن "تعقد اجتماعاً استثنائيّاً لهذه الغاية"، وحذّر من "أنّ تلكّؤ الحكومة سيعرّض المناطق الحدودية لأخطار داهمة شهدنا بعضاً منها في السنتين الماضيتين وهي مرشّحة للازدياد إلى حدّ التدهور الكامل".

منصور

في المقابل، قال وزير الخارجية عدنان منصور، الموجود مع رئيس الجمهورية في جولته الافريقية، لـ"الجمهورية": "من اللحظة الأولى نأينا بأنفسنا عمّا يجري في سوريا، ولكن نريد للأحداث أن تنأى بنفسها عنّا ولا تترك تداعيات سلبية على الساحة اللبنانية، لذلك ليس من مصلحة لبنان بالمطلق ان تكون الاراضي اللبنانية ممرّاً أو مقرّاً لأيّ عمل عسكريّ كان، لأنّ ذلك يخرق مبدأ النأي بالنفس، كما أنّه ليس من مصلحة لبنان ولا سوريا أن تتحوّل الحدود الى منطقة توتّر، وهي لم تكن كذلك قبل اندلاع الأحداث في سوريا، وبالتالي نأمل في أن تعالج هذه التوترات بأسرع وقت وبشكل حاسم، وعلى الأجهزة المختصّة أن تقوم بدورها لإعادة ضبط الأمن، لأنّ هذا التوتر قد يخلق تداعيات لا تصبّ في مصلحة أمن البلدين واستقرارهما، وهذا ما ولّد قلقاً لدى المجتمع الدولي. وأريد أن أنبّه الجميع: لا تحوّلوا لبنان إلى "طورا بورا…"

"14 آذار"

وقالت مصادر قيادية في قوى 14 آذار لـ"الجمهورية" إنّ "إحباط الجيش اللبناني محاولة تفجير الوضع الأمني من بوّابة صيدا بفعل الإجراءات الصارمة التي اتّخذها، دفع القوى الحليفة لسوريا لإعادة التوتّر إلى الشمال الذي كان استهلّه أمين عام "الحزب العربي الديمقراطي" رفعت عيد بتصريح حذّر فيه "الدولة من الردّ بقسوة على الشيخ أحمد الأسير في حال لم تتّخذ إجراءات صارمة بحقّه"، وتمّ استكماله بالتهديدات السورية من قبيل أنّ "سياسة ضبط النفس من الجانب السوري لن تستمرّ الى ما لا نهاية. إمّا أن تقوم الجهات اللبنانية المختصّة بضبط الحدود، وإلّا فإنّ الجيش السوري سيقوم بالردّ عسكريّاً".

ورأت المصادر أنّ دمشق لن تفوّت أيّة فرصة لنقل المعركة إلى لبنان، وإذا كانت كلّ محاولاتها السابقة قد باءت بالفشل، فإنّ ارتفاع منسوب التوتر المذهبي المفتعل والمبرمج، والغياب التام للحكومة التي يتحكّم وزير الخارجية عدنان منصور بسياساتها نتيجة التفويض المعطى له من "حزب الله" يزيد من المخاطر ويضاعف القلق على المستقبل.

ودعت المصادر الجامعة العربية والمجتمعَ الدولي إلى التحرّك العاجل لمنع النظام السوري من تفجير لبنان.

إتصالات إبراهيم

وعلمت "الجمهورية" أنّه على هامش زيارة سليمان إلى افريقيا، عقد المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم مجموعة اجتماعات أمنية تنسيقية مع وزراء الداخلية وكبار المسؤولين الأمنيين في كلّ من السنغال وأبيدجان تحت عنوان "منع الاختراقات الإرهابية"، حيث أكّد ابراهيم أنّ "لبنان لن يكون قاعدة للإرهاب الإفريقي، كما أنّه حريص على أن لا يقوم أيّ لبناني بخرق أمنيّ في بلاد الاغتراب الإفريقي". وكشف أنّه "تمّ الاتفاق على فتح خطّ معلومات بين لبنان والبلدان التي يزورها الوفد الرسمي في افريقيا (السنغال وأبيدجان حتى الآن)"، مؤكّداً أنّه "سيزوّدهم بأسماء جميع المطلوبين الأفارقة بخروقات أمنيّة في لبنان".

وعن عملية خطف اللبنانيّين عماد عنداري وكارلوس أبو عزيز في نيجيريا، كشف ابراهيم أنّ التواصل يتمّ مع صاحب الشركة التي يعمل لديها المخطوفان، مؤكّداً أنّه وفورَ وصوله الى نيجيريا سيعقد سلسلة اجتماعات أمنية، آملاً في أن تفضي الى نتائج إيجابية في شأن مصيرهما الغامض، لافتاً إلى عدم ورود أيّ نبأ يؤكّد مقتلهما.

وعلمت"الجمهورية" أنّ ابراهيم تبلّغ عن زيارة مرتقبة الى لبنان لوزير داخلية أبيدجان وللمدير العام للشرطة ومدير الأمن الوطني للتنسيق الأمني.

وفي حين سارع رئيس الحكومة بعد لقائه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في عين التينة الى الترحيب في بيان مجلس الأمن الدولي ووصفه إيّاه بـ"البنّاء"، أكّد مصدر بارز في المعارضة لـ"الجمهورية": "ليس من المهم أن يؤيّد رئيس الحكومة بيان مجلس الأمن، وهو صادق في ذلك، إنّما المهم أن يؤيّد أعضاء حكومته كلامه، فيلتزموا بإعلان بعبدا ويحيّدوا لبنان عن شرّ يقترب أكثر فأكثر".

وسط هذا المشهد، ظلّت الأنظار مشدودة الى الشمال في ضوء التوتّر السائد على محاور جبل محسن ـ باب التبانة من جهة، والجنوب مع حراك الشيخ أحمد الأسير المؤجّل بعدما تراجع عن تحرّكه التصعيدي الذي كان مقرّراً أمس، مجنّباً بذلك المنطقة خضّة أمنية من جهة ثانية.

وفي المعلومات أنّ رئيس الجمهورية الذي يتابع من الخارج تطوّرات الوضع في لبنان، وردت اليه وإلى الوفد الوزاري المرافق تقارير أمنية مقلقة عن الوضع في طرابلس.

وفي معلومات لـ"الجمهورية" أنّ الجيش اللبناني المطمئن إلى حدّ ما إلى جبهة الجنوب نتيجة "هدوء الجبهة بين اسرائيل و"حزب الله"، عزّز قواه في الشمال بشكل كثيف خشية حدوث تطوّرات، في ضوء انعكاس الأحداث السورية".

وقالت مصادر مراقبة إنّ ما يعطي للجيش مبرّرات ما قام به، هو تصريح السفير السوري علي عبد الكريم علي وبيان الخارجية السورية.

لكنّ هذه المصادر أكّدت أنّ كلّ الاحتياطات العسكرية لا تلغي المخاوف الامنية التي يعبَّر عنها يوميّاً على لسان أعلى المراجع الدولية والعربية، مشيرةً في الوقت نفسه الى أنّه ليس من باب الصدفة أن تكون الإدارة الأميركية بشخص وزير الخارجية جون كيري قد خصّصت لبنان ببيان تحذيريّ، بالإضافة الى بيان مجلس الأمن الدولي، خصوصاً وأنّ البيان الأميركي يأتي عشية توجّه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى إسرائيل.

وكشفت المصادر لـ"الجمهورية" أنّ بيان كيري صدر نتيجة التقرير المقلق الذي رفعه إليه نائب مساعده لشؤون الشرق الأوسط لورنس سيلفرمان، فور انتهاء زيارته الى لبنان، حول الأوضاع السائدة فيه، من الوضع الأمني الى التعثّر في التوافق على قانون انتخابي والانقسام الحاصل وضعف الدولة وجمود عمل المؤسّسات والحراك العمّالي المتواصل في الشارع وانتشار السلاح وتجميد البحث في الاستراتيجية الدفاعية.

لكن، وعلى رغم هذا الجوّ المكفهرّ، لفتت المصادر إلى بارقة أمل لاحت في الأفق تمثّلت في استعادة القضاء اللبناني عمله والنظر في قضايا حسّاسة، كإصداره القرار الاتّهامي في قضية الوزير السابق ميشال سماحة، طالباً عقوبة الإعدام له وللّواء علي مملوك، مسطّراً بلاغ بحثٍ وتحرٍّ لمعرفة كامل هوية العقيد عدنان، وتسريع محاكمة الموقوفين الإسلاميين في سجن رومية، وادّعائه أمس على 10 أشخاص بينهم شادي مولوي في جُرمِ الانتماء الى تنظيم مسلّح وجبهة "النصرة" بقصد القيام بأعمال إرهابية ونقل أسلحة ومتفجّرات بين لبنان وسوريا، علماً أن مولوي كانت صدرت بحقّه مذكّرة توقيف بتهمة الانتماء إلى تنظيم "القاعدة"، بعدما أوقفه الأمن العام لدى خروجه من مكتب الوزير محمد الصفدي قبل أن يطلق سراحه ويصطحبه الأخير بسيارته الخاصة، في حين استقبله رئيس الحكومة في منزله أيضاً.

وفي حين قال مولوي إنّه لا ينصح أحداً بتوقيفه، وأكّد ميقاتي الالتزام بقرار القضاء العسكري و"أننا كلّنا تحت سقف القانون ومع تنفيذ القانون"، تساءلت مصادر بارزة في قوى 14 آذار:"هل هذه المرّة سيبادر الصفدي الى إعادة المُتّهم شرعاً، من طرابلس الى المحكمة العسكرية بعدما أخرجه منها بسيارته الى طرابلس في المرّة الماضية؟

كرامي

وقال الوزير فيصل كرامي الذي هو في عداد الوفد الوزاري إلى افريقيا لـ"الجمهورية": "كلّ الأجواء تشير إلى تأزّمٍ واضطرابات في طريقها إلى طرابلس، وأبلغتُ عن اجتماعات أمنية تحصل بين المجموعات المسلّحة في المدينة ومعظمها يُعقد داخل المساجد، وإذا صحّت المعلومات التي توافرت لنا فإنّ الوضع مقلق جدّاً ونطلب من الأجهزة الأمنية معالجة الأمور قبل حدوثها، لأنّ هذه المرّة إذا "فلتت" لن يكون هناك رادع، وربّما ستصعب السيطرة على الأرض".

وناشدَ كرامي "جميع المسؤولين التخفيفَ من حدّة الخطاب السياسي والعودة الى لغة العقل، لأنّ الأمور باتت في منتهى الحساسية والبركان ينذر بالانفجار.إنّ تصرّفاً من هذا النوع كافٍ لإسقاط أكثر من حكومة في دولة تحترم نفسها". ?
  

السابق
الديار : حزب الله يسجل نجاحاً في مقاربة السنّة عبر ميقاتي والمفتي
التالي
البناء: مرجع أمني يحذر من تحركات مشبوهة لمجموعات متطرفة