لا تخصوا المقاومة …

مأزق تضخيم الخصوصيات نهايته الموت بالمعنى الاجتماعي والثقافي والسياسي

الاربعاء 27 شباط 2013
علي الامين- البلد
تتكشف اكثر فأكثر مشهدية الصراع التي انخرط فيها حزب الله داخل الازمة السورية، دافعا بذلك مآزقه السياسية والايديولوجية ومشروع المقاومة الذي حمله الى الاقصى. ليس هذا فحسب بل انه يدفع بالاسئلة الوجودية الى مصاف خطيرة، لم تستطع اسرائيل بكل جبروتها ان تدفع إليها وأن تفرض مثل هذا التفكير على بيئة لبنان، وتحديدا على بيئة حزب الله والطائفة التي تتحصن به ويتحصن بها.
مأزق حزب الله انه ربط مشروع المقاومة بما يمثله من وجود سياسي وعسكري واجتماعي في لبنان باستراتيجية ايرانية، تتقاطع مع مشروع المقاومة ولكن لا تتطابق معها. ومساحة عدم التطابق تتسع اليوم على حساب المشروع الاساس، ما يجعل حزب الله في سياق آخر. فقد كانت مشكلة حزب الله ومشكلة اللبنانيين معه ولا تزال اشكالية العلاقة مع الدولة، ودفعته إلى أن يكون في المكان الملتبس. حاول من خلال ابتداع ثلاثية الشعب والجيش والمقاومة لكي يحمي مشروعه ويبقيه حياً وان استمر الاعتراض والجدل حول مشروعيته ذريعة هذا الالتباس وديمومته.
لكن كيف يستطيع اليوم تفسير سياسة التورط في سورية، وكيف ان مشروع المقاومة وثقافتها صارت بوصلتهما جهة اخرى غير اسرائيل وفي اتجاه لا يتقاطع مع ثقافة المقاومة ولا مشروعها. نجح حزب الله في سنوات سابقة بتسويق خطابه رغم الاشكالية العميقة مع الدولة. وجد خطابه صدى عربيا واسلاميا واسعا، وافتخر حزب الله بهذا الصدى الذي وصل قبل سنوات، كما قال امين عام حزب الله نفسه في احدى خطبه بعد عدوان تموز 2006، أن صوره ترتفع ليس في بيوت محبيه بالدول العربية فحسب بل في قصور امراء خليجيين، فضلا عن تلك التي رفعت في جامع الازهر وجامعته او في المدن والبلدات السورية وغيرها… وفي ذكرى 16 شباط الاخيرة جدد السيد نصرالله التشديد على البوصلة التي تشير إلى إسرائيل. لكن المفارقة انه ما ان انهى خطابه حتى بدأت عملية هجوم على بعض القرى السورية في محيط بلدة القصير، في عملية تنسف كل ما يقال عن البوصلة التي توجه فوهة البندقية نحو اسرائيل.
لم تعد الاشكالية في الوضعية الملتبسة، بل هو مأزق منطق داخلي غير قابل للتركيب ولا الانسجام. انه خطاب فقد قدرته على التسويق خارج دائرة شيعية ضيقة. خطاب لا يلاقي صدى خارج بيئة حزب الله اللبنانية في احسن الاحوال، وان كان اصحابه باتوا يشعرون بانه غير مقنع لهم قبل غيرهم. والا فما معنى ان تتراجع اطلالات السيد نصرالله الاعلامية فيما كان في ظروف اقل اهمية بكثير يكرر طلعاته وخطبه على مسامع اللبنانيين والعرب ومن اجل قضايا لبنانية داخلية.
مأزق حزب الله انه بدأ يسخر رصيد المقاومة وخطاب الممانعة لأجل عناوين وقضايا لا تمت لهما بصلة. إذ كيف يريد حزب الله لهذا الامتداد السوري، والعربي والسني تحديدا، ان يصدق او يقتنع بأن خيار المقاومة والممانعة يبرر الانخراط في تأييد نظام سبب سلوكه وسياساته هذا العدد الهائل من القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين وهذا الدمار للمدن والمجتمع السوري.

مأزق حزب الله انه ظهر كحالة ايرانية بالمعنى العضوي وجزءا من المنظومة الايرانية بالمعنى الاستراتيجي. منظومة لها تطلعاتها ومصالحها في منطقة عربية مغرية لها ولغيرها، ويتجلى هذا المأزق في ان تورطه بالازمة السورية يظهر حقيقة ان الحسابات اللبنانية ووجوده الجغرافي ليست في سلم اولويات الأب الإيراني؛ بل تظهر حقيقة ان الحزب ليس صاحب القرار، وهذا ما يفسرالارباك الذي يعيشه حيال التصريح بدوره في الازمة.
اذ ان اي مراقب عادي يعلم ان كل قوة حزب الله وصواريخه ووجوده العسكري في محيط حمص او غيرها لن تستطيع ان تغير من مصير انهيار نظام الاسد المحتوم. وهو يقدم على ذلك من دون ان يعطي اعتبارا للارتدادات التي بات يلمسها في عقر داره اللبناني: فماذا عن تلك السورية المخبأة؟ مأزق حزب الله في قمته عندما ينحاز في هذا المفصل التاريخي الى مشروع اللقاء الارثوذكسي. مأزق خيار تحويل الشيعة الى اقلية، يغريه عزلها، ليستحكم بعصبها ومأزق تضخيم خصوصياتها وهذا نهايته العزلة والموت بالمعنى الاجتماعي والثقافي والسياسي.
قبل أسبوع وصل مقاتل من حزب الله إلى بيروت. خسر أعضاءه التناسلية في معركة سورية. خيّر الطبيب أهله بين الشلل وبين استئصال الخصيتين. كأني بالمقاومة تخصيها معارك شباب الجنوب والبقاع في حمص والقصير. أيضا قبل يومين إنتشر خبر عن مرض السيد حسن نصر الله بالسرطان وسفره إلى إيران. ليس المهم صحة الخبر… المهم أن المجاز يصح. فمصداقية نصر الله ومقاومته إسرائيل أصيبتا بمرض عضال… ووهرته تموت.
لا تخصوا المقاومة ولا تقتلوا ألق تاريخها.

السابق
عون: التمثيل الحقيقي لكل طائفة يتحقق من خلال القانون الارثوذكسي
التالي
حزب الله ينفي إصابة السيد نصر الله بوعكة أو نقله لإيران