الإرهاب الكيماوي!

"ليس غريباً أن لا يصدّق أحد، لا في الداخل ولا في الخارج، نفي السلطة الأسدية أكثر من مرّة، أن تكون في وارد استخدام الأسلحة الكيماوية في حربها على السوريين، مدنيين وثواراً. إذ إنّ صدقيتها في هذا المجال وفي الإجمال، كانت في أيام الرخاء تساوي الصفر المكعّب الذي يشبه الكعكة، وهي اليوم في أيّام الفناء تتساوى وتتآخى مع حرارة سهول الصقيع السيبيرية في عزّ كانون.
غير انّ النفي الذي جاء ردّاً على تحذيرات وتبليغات غربية، حمل هذه المرّة إشارة بالغة الخطورة إلى عكسه. متلقفاً التوجّس الغربي والاقليمي الحقيقي من احتمالات تلك الخطوة الانتحارية وواضعاً الجميع وجهاً لوجه أمام أخطر التحدّيات التي واجهت وتواجه عالم اليوم.
فيصل المقداد، نائب وزير خارجية السلطة الأسديّة ابلغ قناة "المنار" أوّل من أمس، في السادس من الشهر الجاري الآتي حرفياً: "أعداء سوريا قد يعطون الإرهابيين أسلحة كيماوية ثم يلقون اللوم في استخدامها على دمشق"!
واستناداً إلى النمط الأسدي المألوف في ممارساته الإرهابية على مدى سنوات في لبنان والعراق، وعلى مدى عشرين شهراً في سوريا نفسها، فإنّ كلام المقداد يعني حرفياً وتلقائياً، أنّ سلطة الاسد أو ما تبقّى منها، انتقلت من مرحلة التفكير إلى مرحلة التحضير لاستخدام تلك الأسلحة الافنائية. وشرعت في تهيئة المناخ الإعلامي والسياسي لذلك.. وأوّل الغيث هطول تصريحات المقداد عن "الإرهابيين".
السيرة النمطية الأسدية معروفة ومألوفة. والمبتدئ العبيط كما المخضرم المحنّك، في الشرق والغرب وما بينهما وحولهما، يعرف أنّ ألف باء تلك السيرة يتضمّن: ارتكاب الجريمة وتحميل الضحية مسؤوليتها! وإذا عزّ ذلك واستحال، تحميل جماعات إرهابية تُخرَج من كمْ الساحر الدمشقي المسؤولية! والأمثلة مدرارة ولا تُعدّ ولا تُحصى، لكنها على المستوى اللبناني سُجِّلت ذروتها مع جريمة 14 شباط 2005 وكل ما تلاها من جرائم اغتيال وتفجير.. وبدءاً بـ"أبو عدس" وصولاً إلى "فتح الإسلام" وغيره. وعلى المستوى السوري تدرّج الأمر من تحميل جماعة "النصرة والجهاد" إلى "القاعدة" نفسه مع مشتقاته وطلاسمه مسؤولية التفجيرات الإرهابية في دمشق وأحيائها تحديداً. وعلى المستوى العراقي، أُلصق الجزء الأكبر من الإرهاب الأعمى والمبصر والعشوائي والدقيق بـ"القاعدة" وحواشيه أيضاً وصولاً إلى "أبو مصعب الزرقاوي" قبل أن يندحر..
بهذا المعنى، يدقّ تصريح المقداد أجراساً كبيرة. ويُفترض برنينها الصاخب أن يصل إلى المعنيين في المنطقة وخارجها، وأن يدفع بالتالي، إلى تفعيل قصّة التحرّك الاستباقي لمنع النكبة التامة من الاكتمال!
ترف التفرّج من بعيد على الدمار السوري، وبناء الحسابات الباردة على إيقاعاته الحارّة، صار صعباً عملياً، ومرشّح لأن يصير مستحيلاً مع التلويح باستخدام الكيماوي.. وفي هذه النقطة "الحسّاسة" لا تنفع الإشارة إلى تفرّق قوى المعارضة والخوف من الأصوليين والسلفيين في صفوفها لتبرير القعود عن التحرك الحاسم..
فمنطق الأمور حَسَم وحَكَم واستند أولاً وأساساً إلى لا منطق السلطة الأسدية قبل غيرها.

السابق
تسليم وتسلّم في الكتيبة الأندونيسية
التالي
القمر تعرّض لهجوم من النيازك