لتجربة.. المستحيلة!

بكّر بعض الإسلاميين العرب في التجربة ومثالبها. واكتشفوا سريعاً "أنّ روما من فوق غير روما من تحت"، وأنّ الأجندات المخفية لم تعد في الزمن الراهن عصيّة على الانكشاف والتدقيق والتمحيص… والمقارعة.
ركبوا في قطار تحرّك من دون علمهم. وقاده غيرهم. ووصل إلى محطته التغييرية الانتقالية من دون أن يكون لهم الدور الحاسم في كل مسيرته. ومع ذلك حصدوا من الثمار أكثر بكثير مما زرعوا. واستأنسوا بالوليمة قبل أن يقرّروا احتكار الطاولة بما عليها ورمي الآخرين بما كانوا يُرمَون به!
والغريب العجيب، أنّ حركتهم كانت سريعة وتتناسب مع العصر وتقنياته: أشهر قليلة مضت على تسلمهم السلطة في مصر وتونس، لكن رغم ذلك فإنّهم في الحالتين أعطوا إشارات متناقضة. واحدة نظرية باتجاه مثال تركيا، وأخرى عملية باتجاه مثال غزّة. وتلك الإشارات كانت كافية لإيقاظ وإخراج هواجس كامنة في شأنهم! وإعادة تظهير مخاوف كانت الأنظمة البائدة غذّتها ونفخت فيها وهوّلت بها، قبل أن يتبيّن مبدئياً انّ "جزءاً منها" لم يكن فقط شغل أجهزة أمنية ونتاج ماكينة إعلامية سياسية رسمية إنّما خلاصة تجارب ومعطيات ومعلومات وتكهنات وقراءات!
"جزء" من تلك الصورة وليس كل الصورة. لكن ذلك الجزء يبدو كافياً حتى اللحظة، لافتراض الأسوأ في نيّاتهم: إذا كان المكشوف منها على هذا القدر من الجموح الاستئثاري فكيف بالمستور والمخفي؟! وكيف بالتالي لا يذهب التوجّس باتجاه الانتعاش ازاء النهايات والتتمات طالما أنّ البدايات على ما هي عليه، مع الإعلان الدستوري في القاهرة، وممارسات "النهضة" مع الإعلام والنقابات (ومن ثم الأحزاب؟) في تونس؟!
قبل الربيع العربي بسنوات خاض الإسلاميون تجارب سلطوية لا تسرّ الخاطر. لا في الجزائر ولا في السودان ولا في غزّة.. الانتخابات بالنسبة إليهم كانت طريقاً باتجاه واحد. مثل عود الكبريت الشهير إيّاه، لكن المناخ "الموضوعي" المحيط في مجمله، كان للمفارقة، يقدّم لهم تبريراً ذا قيمة لممارساتهم! ورغم الاختلافات الخاصة بكل تجربة من التجارب الثلاث، فإنّ الخيط الذي ربط بينها انطلق من عاملين أساسيين. الأوّل هو الاستناد إلى النصّ الديني والاطار التنظيمي الفضفاض (العالمي) والثاني اعتبار الوصول إلى السلطة غاية بغضّ النظر عن الوسيلة. أي يُستخدَم صندوق الاقتراع باعتباره نتاج نظام وضعي، لكنه يُقفَل ويُرمى في البحر، بعد الوصول و"التمكّن" وإيكال النص الفكري الخاص كل مهام الحكم وتفاصيله وأبوابه وأحكامه.
المعضلة الراهنة مع تجربتي مصر وتونس تكمن في أنّ تأثيراتهما تتخطّى الكيانين والأشكال الملموسة للسلطة، لتضرب في الرؤية الخاصة بالمناخ التغييري العربي.. ولا يحتاج الأمر إلى كثير شرح: المشاهد الآتية من البلدين تقدّم مادة دسمة وحقيقية لكل النَفَس الرجعي الذي لا يخجل من الاستناد إلى قاعدة ظلامية موشّاة بأناشيد الممانعة والمقاومة، ليحذّر من الظلامية الآتية مع الربيع العربي! وليبرّر وقوفه مع أنظمة الطغيان والمافيات!
معضلة مركّبة ولا يعوزها التعقيد.. لكن رغماً عنها وعن "ظلاميي" القاهرة وتونس من جهة ودمشق وطهران من جهة ثانية، فإنّ الربيع العربي يحمل في ذاته جواباً مضيئاً عن أسئلة القلق والجزع والتوجّس والشماتة الرخيصة: التغيير محكوم بآلية العصر وأنفاسه. وهذه ما عاد فيها مكان للاستبداد المنظّم والعشوائي والرسمي وغير الرسمي، وما عاد فيها مكان لكبت الحرية وسحقها تحت أي شعار أو مُعطى.

السابق
المفتي يصر على انتخابات المجلس الشرعي أيا كانت النتائج
التالي
أكثر من 200 مليون طفل عامل