نجح البطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي في جمع كل من رئيس حزب الكتائب أمين الجميل، ورئيس التيار الوطني الحر ميشال عون، ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية في الصرح البطريركي في بكركي للمرة الأولى منذ احتدام الخلاف السياسي والانقسام الحاد في المواقف خلال السنوات الماضية.
وكان كل من البطريرك السابق نصرالله صفير ورئيس الجمهورية ميشال سليمان قد حاول أكثر من مرة على مدى السنوات الماضية عقد مثل هذا الاجتماع في بكركي أو القصر الجمهوري في بعبدا من دون جدوى.
وعلى الرغم من أن شيئا لم يتغير في مواقف القادة الموارنة الأربعة من الخيارات السياسية الأساسية التي يحتدم الخلاف في شأنها، فإن البطريرك الراعي استفاد، على ما يبدو من زخم انتخابه، ليبذل جهدا تكلل بالنجاح لاعتبارات يرى المراقبون أنها تتجاوز المواقف المبدئية الداخلية.
ويلفت المتابعون عن قرب لتطورات الأوضاع الى جملة اعتبارات دفعت بالمعنيين الى قبول دعوة البطريرك الراعي، أبرزها:
1- غطاء سوري سياسي حصل عليه رئيس تيار المردة سليمان فرنجية للمشاركة في اللقاء، خصوصا في ظل الظروف التي تجتازها سورية والتي يحتاج النظام لمواجهتها الى حالة «هدنة» سياسية مع خصومه، لاسيما على الساحة اللبنانية بما يسمح له بالتفرغ لمعالجة شؤونه الداخلية.
2- «رسالة» من دمشق إلى البطريرك الجديد بشارة الراعي فحواها الاستعداد لتسهيل ترجمة تطلعاته اللبنانية عموما والمسيحية خصوصا، ردا على «الرسالة» التي سبق أن وجهها الأخير إلى سورية فور انتخابه بتأكيده قرار زيارة الأبرشيات المارونية في سورية خلافا للموقف المبدئي الذي تمسك به البطريرك السابق نصرالله صفير بالامتناع عن القيام بمثل هذه الزيارة، ولو من منطلق راعوي على خلفية الخلافات السياسية بين قسم من اللبنانيين وسورية في شأن مفاهيم السيادة والاستقلال والعلاقات الثنائية بين الدولتين اللبنانية والسورية.
3- حسابات داخلية للنائب ميشال عون تقاطعت مع «المصلحة» السورية المستجدة، تقوم على إضعاف موقع رئاسة الجمهورية في ظل المواجهة السياسية والإعلامية والشعبية الدائرة بين عون والرئيس ميشال سليمان. ذلك أن «تسليف» عون بكركي مشاركته في اللقاء الرباعي يتضمن «رسالة» من عون الى رئيس الجمهورية فحواها عدم الاستعداد لتدعيم الموقع السياسي والدور الوطني لسليمان في ظل سعي الأخير إلى بناء قاعدة سياسية وشعبية على حساب موقع عون ودوره النيابي والوزاري وطموحاته الرئاسية.
4- أما بالنسبة الى مشاركة جعجع في اللقاء فيرى المراقبون أنها تنسجم مع سعيه الدائم من أجل التخلص من عبء ملفات الحرب، وهي تشكل بالنسبة إليه خطوة الى الأمام من أجل «تطبيع» الوضع مع رئيس تيار المردة في ظل موزاين القوى الحالية على الساحتين المسيحية خصوصا واللبنانية عموما، وهي موازين تجعل جعجع في موقع سياسي متقدم على الساحة المسيحية بالمقارنة مع فرنجية وفي موازاة عون.
5- يبقى أن رئيس الكتائب يجد في لقاء بكركي الرباعي ترجمة لدور طالما سعى إلى لعبه على الساحة المسيحية خصوصا لناحية تثبيت صورته «الوسطية» القادرة على الرغم من موقعه في قلب قوى 14 آذار على التحاور والانفتاح على بقية الفرقاء والقادة السياسيين والحزبيين المسيحيين.
أما لناحية النتائج العملية، فيرى المراقبون أنها لن تتجاوز الأطر المعنوية على الأقل في المستقبل المنظور. ذلك أن أي اتفاق سياسي بين الزعماء الأربعة يبدو شبه مستحيل في ظل الشرخ الكبير القائم على الساحة اللبنانية، وفي ظل عملية خلط الأوراق الإقليمية التي تشهدها دول المنطقة المؤثرة في الوضع اللبناني. علما بأن عودة الى التاريخ تظهر أن بكركي نجحت في جمع قادة مسيحيين متخاصمين ثلاث مرات على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية. ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي اجتمع كل من رئيس الكتائب الراحل بيار الجميل، وعميد حزب الكتلة الوطنية الراحل ريمون إده في غمرة الحرب الأهلية، لكن الاجتماع لم ينجح في تلافي مواجهة دموية بين الحزبين على خلفية الموقف من الحرب.
وفي عام 1978 اجتمع في بكركي كل من الراحلين الشيخ بشير الجميل والنائب طوني سليمان فرنجية. لكن الاجتماع لم ينجح في تلافي المواجهة الدموية بين الرجلين التي توجت بحادثة إهدن التي قتل فيها فرنجية وعائلته وعشرات من مناصريه. وفي عام 1985 اجتمع في بكركي، (عشية الاتفاق الثلاثي الذي رعته سورية بين القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقه وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي)، كل من رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية آنذاك الراحل إيلي حبيقه، والرئيس الحالي للقوات سمير جعجع. لكن الاجتماع لم ينفع في تلافي المواجهة الدموية التي انتهت في 15 يناير 1986 بإسقاط الاتفاق الثلاثي وإخراج حبيقه من المناطق التي كانت تسيطر عليها القوات اللبنانية.
ويبقى السؤال في ضوء هذه السوابق التاريخية عما يمكن أن ينتهي إليه لقاء بكركي الرباعي عام 2011. فهل ينجح حيث فشلت الاجتماعات السابقة؟

